شبكة الملحدين العرب  |  المنتدى

جميع المدونات [1] 2 3 4 5 6 ... 39

xx أنا إيل !! - [تعريف بصاحب المدونة]
01/06/2008, 00:13:55
                            شاهين في سطور

من مواليد القدس 1946
 درس الصحافة 
فنان روائي وناقد 
أعطى دروساً عملية في الفن التشكيلي في الأكاديمة الصيفية الأوروبية.
يكتب في الفكر والنقد الأدبي والفني 
مقتنيات لأعماله الفنية في أكثر من ستين بلداً في العالم وبما لا يقل عن ستة آلاف لوحة .
معارض فنية :
المركز الثقافي الروسي – دمشق – 95 – 97 – 98
مراسم الفنانين – دمشق – 95
الشام القديمة – 95 – 96
مقهى النوفرة – دمشق القديمة معرض دائم منذ عام 98 حتى عام 2004
الناصرة – فلسطين – 97
فروندنبرغ – ألمانيا – 98
إيزارلون – ألمانيا – 98
صالة عشتار – دمشق – 98
دار الثقافة – برلين – 2000
المركز الثقافي السوري – باريس – 2002
دار الثقافة العالمية – رين – فرنسا – 2002   
الأعمال الأدبية :
نار البراءة – قصص – دار ابن رشد – 79
الخطار – قصص – دار القدس – بيروت – 97
الأرض الحرام – رواية – وزارة الثقافة – دمشق – 83 ( ترجمت إلى التركية عام 2002 )
الهجرة إلى الجحيم – رواية – المؤسسة الجامعة – بيروت – 84
الأرض المغتصبة – رواية – دار الشيخ – دمشق – 89
غوايات شيطانية – رواية ملحمية (ترجمت إلى الألمانية عام 99 ) ( نشرت بالعربية على شبكة الإنترنت)
موتى وقط لوسيان – قصص – وزارة الثقافة الفلسطينية – رام الله – 98   
رسائل عشق إلى ميلينا .( رسائل نثرية وأشعار. نشرت على شبكة الإنترنت)
السلام على محمود درويش . ( أشعار عن ديوان محمود درويش ، لماذا تركت الحصان وحيدا )
ألملك لقمان . ملحمة روائية .جزءان.نشرت على شبكة الإنترنت.
أعمال صحفية :
فلسطين أرض وحضارة – الدار الجماهرية – طرابلس – 85
حرب المواجهة في لبنان – الاعلام الموحد – دمشق – 83   
دراسات نقدية في مجلات شهرية وفصلية أهمها :
التحول من البداوة إلى النفط في مدن الملح
الحزن الدفين - دراسة في قصص الأديبة الفلسطينية سميرة عزام
مقالات في الرواية الفلسطينية
مقالات في الرواية العربية
مقالات في الرواية العالمية
مقالات في القصة الفلسطينية   
مخطوطات لم تنشر :

الأرض المغتصبة – جبل المنطار, رواية
الأحزان المتعانقة – رواية
كما ترجمت بعض قصصه إلى الانكليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والاسبانية والروسية وغيرها, وبيعت بعض قصصه إلى السينما والتلفزيون .
حولت قصته "نارة البراءة" إلى المسرح وعرضت في عمان عام 1991   
مقتنيات عامة لبعض الأعمال الفنية :
المتحف الوطني بدمشق – لوحتان (70*100 )
وزارة الثقافة الفلسطينية
صحيفة الأخبار – مصر
مكتب م.ت.ف – دمشق
المركز الثقافي السوري - باريس

تنويه :
صدرت ( غوايات شيطانية ) بالعربية عن دار نينوى في دمشق أواخر أذار 2008

 

xx كيف أسلمت بلقيس على يد سليمان !!! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
07/08/2008, 00:11:31
 بينما كنت أبحث عن قصيدة لشاعر لبناني ، عثرت على موضوع طريف جدا ، يروي بالتفصيل قصة سليمان مع بلقيس والسبأيين .
الموضوع منقول عن موقع إسلامي وفيه تناقضات وخرافات عجيبة ، فهو في الوقت الذي يذكر   فيه أن سليمان كان يتبع شريعة موسى ، ومع ذلك فقد دعا بلقيس إلى الإسلام .
ثم إن  بلقيس كانت مشعرة الساقين ، مما دعا سليمان إلى (حلق )شعر رجليها بواسطة الجن ! الحلق من عندي ! ربما نتف !أو غير ذلك ، فهم هنا يتحدثون عن دواء !
أترككم مع الموضوع الطريف جدا وسليمان وجنديه الوفي الهدهد ..
 ولن يفوتني أن أهدي الموضوع للزميلة بلقيس ، التي سألتني ذات يوم ( كما أذكر) عن بلقيس .
************

 

سليمان (عليه السلام) وبلقيس
 
كان سليمان (عليه السلام) إذا جلس على كرسيه، جاءت الجن والملائكة، والإنس فاصطفوا حواليه، على كراسي معدّة لهم.

وجاءت جميع الطير التي سخّرها الله لسليمان، فاصطفت على رؤوس الجميع، لتظللهم من الشمس، وكان لكل طائر مكان مقرّر له، فإذا أشرقت أشعة الشمس على موضع من البساط نظر الحاضرون إلى الكوة، فعرفوا أي الطيور تخلّف عن وظيفته.

وكان الهدهد ـ وهو طائر جميل، من خواصّه أنه ينظر إلى الماء في باطن الأرض ـ من جملة الطيور لتضلّل الجمع في الصافات على مجلس سليمان.

(و) ذات مرّة نظر سليمان، وإذا بالشمس تخرق صفّ الطير، وتقع أشعة منها على حجر سليمان فـ(تفقّد الطير) طلبها وتعرّف إليها، ليرى أي الطير غاب عن صفه، حتى أرسلت الشمس بريدها إلى المجلس.. وإذا بسليمان يرى أن الهدهد هو الغائب (فقال مالي لا أرى الهدهد)؟ أي ما للهدهد لا أراه؟ هل حدث له حدث، (أم كان من الغائبين)؟

وكيف يغيب الهدهد، بلا إذن؟ وهل يجوز لأحد الجند ـ طيراً كان أو غيره ـ أن يترك وظيفته ليذهب حيت يشاء؟

غضب سليمان من هذا الحادث، وحلف قائلاً (لأعذِّبنَّه عذاباً شديداً) بنتف ريشه (أو لأذبحنّه) حتى يكون ذلك ردعاً لغيره من الجنود، وجزاءً على مخالفته الأمر، وهذا التعذيب أو الذبح يكون إذا لم يأتني الهدهد بعذر واضح (أو ليأتينّني بسلطانٍ) أي عذر لغيبته (مبينٍ) واضح لا يقبل الشك والإنكار.

لقد غضب سليمان على الهدهد لتركه وظيفته بدون استئذان ونوى عقوبته (فمكث) سليمان مكوثاً (غير بعيد) وما هي إلا فترة قصيرة، حتى رأى الهدهد راجعاً.

سأل سليمان الهدهد: أين كنت؟ ولماذا غبت؟ وما هي الحجة والعذر في تركك الوظيفة بدون استئذان؟

(فقال) الهدهد يا نبي الله لا تعجّل علي بالعقوبة، فقد ذهبت استطلع لأجلك وإذا بي (أحطت) واطّلعت (بما لم تحط) ولم تطلّع (به) أنت (وجئتك من سبأ) وهي أرض في اليمن (بنبأ) أي خبر (يقين) فليس الكلام كذباً وإنما كلامٌ صادق.

وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أن سبأ كان اسم رجل ولد له عشر أولاد، وصاروا آباء قبائل، نحا نحو الشام منهم أربعة، وهم: لخم، وجذام، وغسّان، وعاملة. ونحا نحو اليمن منهم ستةٌ، وهم: كندة، والأشعرون، والأزد، وحمير، ومذحج، وإنمار: ومن انمار صارت: خثعم، وبجيلة)(1).

فسمّى تلك البلدة، باسم أبي هؤلاء الأولاد: رؤوس القبائل العربية.
 
* * *
 
قال سليمان للهدهد: وما هو النبأ الذي يكون عذراً لك في غيبتك؟

قال الهدهد: (إني وجدت) هناك مملكة عظيمة، وأناساً كثيرين، ووجدت (امرأة تملكهم) فملكهم امرأة، وهذا أمر غريب، فهل تصلح المرأة لإدارة الأمور؟

أليست المرأة خلقت عاطفيّة لإدارة البيت؟ وهل يمكن الجمع بين العاطفة التي تجيش بسرعة، وتخبو بسرعة، وبين الإدارة التي تحتاج إلى صلابة نفس وقوّة روح، وعدم تمايل عن الحق مهما تغلّبت العاطفة؟

(وأوتيت) تلك المرأة الملكة (من كل شيء) فقد أعطاها الله سبحانه أموالاً، وجيوشاً وقصوراً، وبساتين، وسائر ما هو لازم للبلاد.

وكان من قصّة الملكة، أن أباها كان ملكاً، ثم مات فاجتمع الوزراء والقواد على تتويجها، لتكون ملكاً رمزياً، وكان الذين يديرون البلاد هم كبار رجال الدولة.

وقد كان اسم هذه الملكة (بلقيس).

ثم قال الهدهد لسليمان (عليه السلام): (ولها عرش عظيم) وقد ورد في وصف عرشها أن مقدّمه كان من ذهب مرصّع بالياقوت الأحمر، والزمرّد الأخضر، ومؤخره من فضة، مكلّلة بألوان الجواهر وعليه سبعة أبيات، لكل بيت باب مغلق.. هناك تجلس الملكة لتحكم البلاد.

هكذا كانت الملكة (أوتيت من كلّ شيء ولها عرشٌ عظيم) أمّا كيف كان حال الشعب فذلك مما لم ينقل إلينا، لكن الطابع العام في الحكومات الكافرة غالباً، الاعتداء والظلم والاستبداد إما من الملك، أو من طبقة الأشراف والنبلاء المحيطين به.
 
* * *
 
لقد حكى الهدهد لسليمان ما رآه عن الملكة وعرشها.

لكن بقي شيء، وهو ما هو دين الملكة ودين قومها؟ لقد قال الهدهد (وجدتها وقومها يعبدون الشمس من دون الله) فهم عوض أن يعبدوا الخالق الذي أعطاهم كل شيء، يعبدون الشمس (وزيّن لهم الشيطان أعمالهم) هل أراد الهدهد بهذا تأكيد الكلام السابق بأن أراد بأعمالهم عبادتهم للشمس، أو أراد أنهم كانوا مغمورين في الفسق والفجور؟ ـ كل ذلك محتمل ـ ولعل الأقرب إرادة المعنى الثاني، فإنّ الغالب في الكفار تفشّي المنكرات والآثام والإجرام فيهم.

وكيفما كان، فقد أتم الهدهد كلامه قائلاً: (فصدّهم) الشيطان (عن السبيل) الواضح، الذي هو طريق الله سبحانه (فهم لا يهتدون) إلى الحق في العقيدة والعمل.

(ألاّ يسجدوا) الملكة وقومها (لله الذي يخرج الخبءَ في السماوات والأرض) إن الله سبحانه هو الذي أخرج النعم المخفية الموجودة في السماوات والأرض، فهو مخرج الشمس والقمر والنجوم، والسحاب والمطر، وما إليها مما يكون مخفياً في السماوات، يخرجها لينفع البشر.. وهو سبحانه الذي أخرج المياه والكنوز والأثمار وغيرها من جوف الأرض لينفع الإنسان.. إن الملكة وقومها لم يكونوا يسجدون لهذا الإله العظيم (و) هو الذي (يعلم ما تخفون وما تعلنون) أيتها الملكة وأيها القوم فهو المعطي وهو العالم.

(الله لا اله إلا هو رب العرش) الملك (العظيم) الذي هو أعظم من عرش بلقيس.. هكذا أخبر الهدهد سليمان (عليه السلام) معتذراً من غيبته.
 
* * *
 
لما سمع سليمان (عليه السلام) الخبر المدهش من الهدهد تريّث في الأمر، قائلاً (سننظر أصدقت) في خبرك (أم كنت من الكاذبين)؟ فإن صدقت فأنت معذور في غيبتك وإلا استحققت عقابين: عقاب الغيبة بدون إذن، وعقاب الكذب.

ثم إن سليمان (عليه السلام) كتب كتاباً، وختمه بخاتمه، وأعطاه إلى (الهدهد) ليذهب به إلى الملكة، إنه كتاب دعوة إلى الإسلام والإيمان، فهل تقبل الملكة والقوم الإيمان بالله حتى يكونوا في أمن وسلام، أم يختارون العناد والإصرار حتى تجوز لهم العقوبة؟

دفع سليمان (عليه السلام)، الكتاب إلى الهدهد، قائلاً: (اذهب بكتابي هذا فألقه) يا هدهد (إليهم) إلى الملكة وقومها (ثمّ تولّ) ابتعد (عنهم) لتكون في موضع تسمع كلامهم، ولا يرونك (فانظر) يا هدهد (ماذا يرجعون) أي يرجع بعضهم إلى بعض الكلام حول الكتاب وقد أراد سليمان (عليه السلام) أن يتخذ التدابير اللازمة على ضوء جواب بعضهم لبعض.

مضى الهدهد بالكتاب، حتى وصل إلى سبأ وإذا الملكة مع وزرائها في المجلس، فألقى الكتاب إلى الملكة، وإذا بها تدهش، وتفتح الكتاب فتقرأ محتواه..

وهنا توجّهت إلى وزرائها وأشراف قومها (قالت يا أيها الملأ) الأشراف (إني ألقي إلي كتابٌ كريم) يتبين من محتواه، ومرسله أن الكتاب ذو كرامة ورفعة (إنه) أي الكتاب (من سليمان)، النبي ملك الإنس والجن والملك والحيوان (وإنه) مقرونٌ (باسم الله الرحمن الرحيم) لا باسم الشمس التي نعبدها.. أما محتوى الكتاب فهو (ألاّ تعلوا عليّ) أي لا تتكبّروا علي بعد الانصياع إلى أوامري (وائتوني) لتأتي الملكة والأشراف (مسلمين) هذا ما كان في الكتاب، وهكذا قرأته بلقيس على قومها.
 
* * *
 
من الطبيعي أن يعلو الوجوم جميع من في المجلس، إنه موقفٌ رهيب أن يدعو ملك أقوى، ملكاً أضعف إلى الاستسلام والانقياد فما الجواب؟ وما هو الموقف؟ وكيف التفكير؟

ولذا تحيّرت الملكة في الجواب و(قالت) موجهةً الخطاب إلى الأشراف: (يا أيها الملأ أفتوني) أشيروا علي (في أمري) هذا، بماذا ينبغي أن أجيب؟ وما هو الأصلح بحالنا، الخصام أو الاستسلام (ما كنت قاطعة أمراً) أمضي فيه برأيي وأقرّر التقرير النهائي وحدي (حتى تشهدون) تحضرون أنتم وتعطون آراءكم حول الموضوع.

فانبرى القوم لجواب الملكة (قالوا نحن أولو قوة) أصحاب قوة وقدرة وعَددٍ وعُددٍ (وأولو بأس شديد) شجاعة شديدة، ومراس في الحرب.. هذا ما عندنا (و) لكن (الأمر إليك) أيتها الملكة (فانظري) في الأمر (ماذا تأمرين) فنحن مطيعون لأمرك.

تفكّرت الملكة في الأمر مليّا، فهل ترفع اليد عن دينها وتُسلم، أو ترفع اليد عن ملكها وتحارب حرباً يائسة؟ إنها تعلم بقوة سليمان وقدرته، ولذا (قالت) في جواب القوم ـ حيث ألقوا المسؤولية على عاتقها ـ : (إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها) فإنهم يقتلون أبناءها ويهدمون أبنيتها ـ كما هي الطبيعة في الحروب ـ (وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة) يأتون إلى الحكم بأناس جدد، ويحاسبون السلطة السابقة عما كانت تعمل.

(وكذلك) كما قالت الملكة (يفعلون) الملوك الذين يدخلون البلاد حرباً، وعنوةً.. إذ ليس من الرأي المحادثة مع سليمان..
 
* * *
 
ليس من الصالح الحرب مع سليمان، لكن هل الطريق منحصرٌ في الاستسلام.

كلا؟ إن هناك حلاً وسطاً للقضية ـ لو نفعت الحلول ـ وما هي أيتها الملكة؟ إنها المجاملة والمصانعة ليلين قلب (سليمان) وليعطف نحوهم، فيتركهم وشأنهم: (وإني مرسلة إليهم بهدية) ومن شأن الهدايا تليين الخصومات والخصوم (فناظرة بم يرجع المرسلون) الذين أرسلهم مع الهدية، فهل يرجعون ببشارة قبول سليمان الهدية وإغضائه عن المخاصمة، أم يرجعون برد الهدية، حتى نرى في الأمر؟

هكذا قرّرت الملكة، ووافق الوزراء على التقرير، وما أجمله من حلّ ـ إن أفاد ـ؟ فأرسلت الملكة هديّة ثمينة ـ ربّما تبالغ القصص في مزاياها وخصوصيّاتها ـ لكنها على كل حال، كانت ثمينة، تليق بمقام المرسلة، وبمكانة المرسل إليه، ونوعيّة العطف المترقب من ورائها.

(فلمّا جاء) المرسل بالهدية القيمة (سليمان) استنكر سليمان الأمر، وذوي عنهم، إنه نبي لا يريد إلا هداية البشر، فكيف يترك أمّة كبيرة تتحكّم فيها الخرافات فتعبد الشمس من دون الله؟

(قال) مستنكراً: (أتمدّونني بمالٍ) أي أتزوّدونني بمال الدنيا؟ إني لا أحتاج إلى المال (فما آتاني الله خيرٌ مما آتاكم) فإني أملك الملكين: الملك الدنيوي والملك الإلهي ـ بفضل الله تعالى ـ .

(بل أنتم) يا أهل الدنيا (بهديّتكم) أي بإهداء بعضكم لبعض الهدايا (تفرحون) أما أنبياء الله وأهل الآخرة، فإن فرحتهم تابعة لمرضاة الله تعالى فإن رضي عنهم فإنهم يفرحون، وإلا فلا فرح له فيما سوى ذلك.
 
* * *
 
توجه سليمان إلى رسول الملكة قائلاً: (ارجع إليهم) بالهدية، وأخبرهم أنهم إن لم يؤمنوا وتمادوا في الغي (فلنأتينّهم بجنود) كثيرة (لا قبل لهم بها) ولا طاقة لهم بتلك الجنود، ولا قدرة لهم على دفعها (و) إذا حاربناهم (لنخرجنّهم منها) أي من تلك القرية (سبأ) (أذلّة وهم صاغرون) حقراء لا قدر لهم ولا قيمة.

جاء الرسول إلى (بلقيس) وقومها، وأخبرهم بمقالة سليمان، وعلمت الملكة أنه نبي من عند الله وليس ملكاً فحسب، ولذا لم تجد بدّاً من الاستسلام والإسلام، فتجهزت الملكة مع أشراف قومها للمسير إلى سليمان (عليه السلام)، وكأنها أرادت بذلك إظهار خضوعها، وأنها مُسلّمة إليه مقاليد البلاد، ونفسها، فأخبر جبرئيل (عليه السلام) سليمان بمسيرها.

أراد سليمان (عليه السلام)، أن يري لها عظمته، حتى تكون أقرب إلى الطاعة والانقياد، ولتكون حجّة على نبوّته، ولذا طلب من زعماء أصحابه أن يأتوا بعرشها العظيم إلى حيث مقرّ سليمان، فقال: (يا أيها الملأ) الأشراف من أصحابي (أيكم يأتيني بعرشها) أي سرير ملكها الموجود في (سبأ) (قبل أن يأتوني) هي وأشراف قومها (مسلمين) منقادين لله مطيعين لي؟

(قال عفريت) ماردٌ قويٌ (من الجن) الذين كانوا مسخرين لسليمان: (أنا آتيك) يا نبي الله (به) أي بالعرش (قبل أن تقوم من مقامك) أي من مجلسك، وهذا كنايةٌ عن الإتيان به في نصف يوم تقريباً (وإني عليه لقويٌ) قادر على حمله، والإتيان به في هذه المدة القصيرة (أمين) لا أخون في ذهبه وجواهره وحليه.

(قال الذي عنده علمٌ من الكتاب) وهو آصف بن برخيا، وزير سليمان، وكان يعرف اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب فوراً ـ ولعل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ ـ (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) بمقدار لمح البصر.
 
* * *
 
استحسن سليمان كلام (آصف)، وطلب منه إحضار العرش. وقد أراد سليمان بذلك إظهار فضل (آصف) وإلا فالأنبياء هم أقدر الناس على إنجاز المهام ودعاؤهم مستجاب غير مردود.. فدعا الله سبحانه (آصف) أن يحضر العرش، وذكر الاسم الأعظم، وإذا بالعرش العظيم حاضرٌ عند سليمان.

(فلمّا رآه) سليمان (عليه السلام) (مستقرّا عنده) حاضراً لديه، توجه إلى الله سبحانه في ابتهال، (قال هذا من فضل ربي) وإحسانه بالنسبة إلي، وإنما تفضّل علي بهذه النعمة (ليبلوني) أي يختبرني (أأشكر) نعمته (أم أكفر)؟ كفران النعمة عبارة عن عدم شكرها.

ثم أردف سليمان (عليه السلام)، قائلاً: (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) فإن فائدة الشكر عائدة إلى نفس الشاكر ـ كما قال سبحانه: (لئن شكرتم لأزيدنكم) ـ (ومن كفر) ولم يشكر نعم الله تعالى (فإن) ذلك لا يضر الله تعالى لأن (ربي غنيٌ) عن العالمين (كريم) يتفضّل على المؤمن والكافر، فلا يضرّه الكفران.

وتوجه سليمان إلى أصحابه و(قال) لهم (نكّروا لها عرشها) أي غيّروا السرير تغييراً إلى حال تنكره بلقيس ولا تعرفه إذا رأته، إما بتغيير لونه أو تغيير هيكله، وقد أراد سليمان بذلك اختبار عقل بلقيس هل تعرف أنه عرشها أم لا؟ (ننظر) إلى عقلها (أتهتدي) وتعرف أنه عرشها (أم تكون من الذين لا يهتدون)؟

وهكذا تم أمر سليمان، ونكّر العرش، واستعد سليمان للقاء الملكة وقومها ـ والملكة لا تعرف عن أمر عرشها شيئاً ـ .
 
* * *
 
لقد أمر سليمان قبل مجيء بلقيس، الجن والبنّائين، أن يعملوا (صرحاً) أي قصراً من الزجاج، وفرش أرض القصر بالزجاج الصافي، وكان ما تحت الزجاج فارغاً، فأمر بملئه ماء، وجعل فيه الأسماك والضفادع، وما أشبه، وجعل سريره في أعلى القصر، حتى إذا رآه الإنسان غير العارف بحقيقة الأمر، تخيّل أن ساحة القصر مملوءة بالماء والأسماك، وأن سرير سليمان موضوع على الماء.. ولعلّه فعل ذلك إظهاراً للعظمة، حتى تكون بلقيس وقومها أسرع في الإيمان والانقياد ـ إذ قد اعتادت النفوس اتباع العظماء وأهل الجلال والثروة ـ أو لاختبار عقلها هل تعرف الزجاج من الماء أم لا؟

انتهى السير بالملكة وقومها، إلى محل العرش (فلمّا جاءت قيل) لها، والقائل بعض من حضر (أهكذا عرشك)؟ وكانت بلقيس حصيفة، ففكّرت في نفسها: هل هو عرشها أم غيره؟ إن كان هو فكيف جيء به؟ واحتملت قدرة سليمان على مثل هذا الأمر؟ ولذا (قالت كأنه هو) فلم تجب لا بالإيجاب التام، ولا بالسّلب الكامل، وإنما قالت كلمة تحتمل الأمرين، لئلاً تكذّب، إذا خالف كلامها الواقع.

ثم قالت ـ وهي تظهر عدم استغرابها من إتيان سليمان بعرشها ـ : (وأوتينا العلم من قبلها) أي قبل أن تنظر إلى آية سليمان في مجيء العرش (وكنّا مسلمين) لسليمان، ولذا أتيناه (وصدها) سابقاً عن الحق ـ حيث كانت تعبد الشمس ـ (ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين) بالله، عابدة هي وقومها للشمس.
 
* * *
 
مرّت بلقيس من موضع عرشها، حتى وصلت إلى باب (الصّرح) الذي جلس فيه سليمان، لاستقبالها، فلمّا وصلت، ونظرت إلى الماء والأسماك (قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته) توقّفت إذ (حسبته) وظنّت أن الصرح (لجّةً) من الماء.

ثم.. لمّا لم تر بدّاً من الدخول (كشفت عن ساقيها) فرفعت ثوبها، لئلا يبتلّ بالماء (قال) لها سليمان (إنه) ليس ماء بل هو (صرحٌ ممرّدٌ) مملّس (من قوارير) جمع قارورة، وهي الزجاجة.

فدخلت، و(قالت) ضارعةً إلى الله سبحانه، مستغفرة عمّا كانت عليه سابقاً من الكفر وعبادة الشمس (رب إني ظلمت نفسي وأسلمت) الآن (مع سليمان) فإني مسلمة معه، معترفة (لله رب العالمين).

وقد ورد في بعض الأخبار، أن سليمان (عليه السلام)، رأى ما على رجل الملكة من شعر فأمر الجن أن يصنعوا لإزالة الشعر دواءً، فصنعوا الحمّام واخترعوا (النورة).. وكان سليمان (عليه السلام) تزوّج بالملكة، وأسلم أهل سبأ، وانتهى الأمر بسلام.. كلّ ذلك بفضل عزم سليمان، وحكمة (بلقيس).

وقد علم ـ هذا النبي العظيم، وهذه الملكة العاقلة ـ الناس، الاهتمام بأمر الدين، وقوة العزيمة في هداية الناس، مهما كلف الأمر حيث لم يقل سليمان: (لنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها...)؟ ثم ... ألم تكن من حكمة بلقيس أنها رجّحت الانقياد لله ولسليمان على الكبر والغرور والبقاء في الكفر والضّلال؟

وهكذا فليتعلّم الناس، هداة ومدعوين إلى الهداية.
 
* * *
 
وقعت في زمن (داود) والد (سليمان) عليهما السلام، قصّة دلّت على فضل سليمان ونبله، فقد كان في بني إسرائيل رجل كان له (كرم) شجر العنب، فنفشت ورعت في بستانه غنمٌ لرجل آخر، في الليل، فقضمته وأفسدته.

ولمّا جاء الصباح، وجاء صاحب البستان فرأى الفساد وانجال في بستانه، فجاء بصاحب الغنم إلى داود (عليه السلام) ليحكم بينهما.

لكن داود، أحال الحكم على ولده سليمان، ليظهر للناس علمه وقضاءه ويكون ذلك تمهيداً لخلافته من بعده. فذهبا إلى سليمان ليحكم بينهما.

قال سليمان: إن كانت الغنم أكلت الأصل والفرع، فعلى صاحب الغنم أن يدفع إلى صاحب الكرم الغنم وما في بطنها، وإن كانت الغنم ذهبت بالفرع، ولم تذهب بالأصل فعلى صاحب الغنم أن يدفع إلى صاحب الكرم أولادها فقط دون أصل الغنم.

ولعل هذا الحكم كان لأجل تساوي أصول الكروم للأمهات، وفروع الكروم للأولاد، قيمةً، فكان من باب تطبيق الضّمان على الغنم، كما أنه من الممكن أن هذا كان حكم شريعة موسى (عليه السلام)، فإن داود وسليمان كانا متعبّدين لشريعة موسى.

وبهذا ظهر علم سليمان وفضله على الناس (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث) الزرع الذي أكله الغنم (إذ نفشت) رعت ليلاً (فيه غنم القوم وكنّا لحكمهم شاهدين) نرى ماذا يحكمان (ففهّمناها) أي القضيّة وحكمها (سليمان وكلاًّ) من داود وسليمان (آتينا حكماً) قضاءً بين الناس (وعلماً) فإن كليهما كان نبياً من عنده سبحانه.
 
* * *
 
وذات مرة وقف سليمان (عليه السلام) ليستعرض الخيل التي كان هيأها لجهاد الكفار ـ كما هي العادة في الاستعراضات العسكرية ـ واشتغل بذلك حتى فاتته صلاة نافلة كان يصليها.

فتأثّر سليمان (عليه السلام) من ذلك تأثراً بليغاً، كيف فاتته النافلة وإن كانت هي مستحبة، ولماذا اشتغل بالخيل عن ذكر الله؟

ولذا وقف تلك الخيل في سبيل الله تعالى، حتى يدرك بعض الثواب الذي فاته بسبب تركه النافلة(2).

(ووهبنا لداود) النبي (عليه السلام) (سليمان) وسليمان (نعم العبد) المطيع لله تعالى (إنه أوّاب) كان كثير الأوب والرجوع إلى الله تعالى حتى إنه إذا فاتته نافلة آب ورجع وتدارك ذلك بالإتيان ثواب غيرها (إذ عرض عليه) أي على سليمان (بالعشي) في وقت العصر، الأفراس (الصّافنات) وهي التي تقف على ثلاث، وترفع إحدى قوائمها، وذلك لا يكون إلا في الخيل الجيد (الجياد) جمع جيد.

وطال العرض حتى غابت الشمس، ولم يصل سليمان نافلته المعتادة كل يوم (فقال) سليمان متحسّراً على ما فاته (إني أحببت حب الخير) أي حب الأفراس حتى ألهاني ذلك (عن ذكر ربي) بإقامة النافلة (حتى توارت) الشمس (بالحجاب) فكأنها لما غربت فقد توارت واختفت تحت حجاب الأفق.

ثم أردف سليمان قائلاً: (ردّوها) أي الخيل (عليّ) فردّت (فطفق) أي شرع يمسح (مسحاً بالسوق) أي سيقان الخيل (والأعناق) يمسح عليها عطفاً وحناناً، ويوقفها في سبيل الله سبحانه.
 
* * *
 
وقصة أخرى حدثت لسليمان (عليه السلام)، فإنه لما تزوّج ببلقيس (ملكة اليمن) رزق منها مولوداً ذكراً.. ففرح بذلك فرحاً كثيراً، ثم خاف عليه من الشياطين أن يؤذوه لئلا يخلف سليمان، فيكونون مسخّرين له كما كانوا مسخّرين للوالد.

ولذا أودع ولده السّحاب ـ وكان ذلك ممكناً لسليمان (عليه السلام)، حيث كان بأمره الكون.

لكن هذا العمل لم يكن ينبغي لمثل سليمان النبي الذي يجب أن يكون في أرقى درجة من التوكل وتفويض الأمر لله تعالى.

ولذا أمر سبحانه ملك الموت أن يقبض روح الولد، فمات الولد وذات يوم جاء سليمان ليجلس على كرسي الحكم ويقضي بين الناس فرأى الولد ميتاً ملقى على كرسيّه.

وهنا عرف أنه كان ينبغي له أن لا يدع الولد للسحاب فإن الموت والحياة بيد الله تعالى، ولذا استغفر الله تعالى (ولقد فتنّا) وامتحنّا (سليمان) لنرى صبره ولننبّهنّم على أن الأولى به أن يكون في درجة رفيعة من التوكل (وألقينا على كرسيه) الذي كان يحكم عليه (جسداً) لولده الميت (ثم أناب) وتاب.

(قال) سليمان: (رب اغفر لي) اعتمادي على السحاب في حفظ الولد ـ وإن كان هذا الاعتماد جائزاً، إذ من الجائز للإنسان أن يدبّر شؤونه حسب الصلاح والحكمة ـ (وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب) فاستجاب الله سبحانه دعاءه، بل تفضّل عليه حيث يقول: (فسخّرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب) إلى كل مكان أراد الذهاب إليه.
 
* * *
 
وهناك قصة شيّقة من قصص سليمان (عليه السلام)، فقد بنى أبوه (داود) (عليه السلام) بيت المقدس، ولم يكمّله حتى وافاه الأجل. وأخذ (سليمان) في تكميل البناء حتى كملت البناية على أحسن ما يرام.

ثم أمر سليمان الجن الأقوياء بالبناء، فأخذوا في البناء بكل سرعة، وذات يوم وقف سليمان متّكئاً على عصاه ينظر إلى العمل والعمّال.

وإذا به يرى شابّاً حسن الصورة إلى جنبه. سأله سليمان: من أنت؟ ومن أذن لك في الدخول عليّ بدون إجازتي؟ قال الشاب: أنا الذي لا أقبل إرثاً، ولا أهاب الملوك، فعرف سليمان أنه ملك الموت جاءه ليقبض روحه.

فقبض ملك الموت روح سليمان، وهو متّكئ على عصاه، والجنّ يظنّون أنه حي، ويتعجبون كيف لا يتعب؟ وكيف لا يأكل ولا يشرب؟ وكان (آصف بن برخيا) وزير سليمان وخليفته، يدير شأن البناء والعمّال، حتى مضت مدّة طويلة.

(فلمّا قضينا عليه) أي حكمنا على سليمان (الموت ما دلّهم على موته إلا دابّة الأرض) الأرضة (تأكل منسأته) أي أخذت تأكل عصاه، حتى إذا فسدت خرّ سليمان واقعاً على الأرض ـ لذهاب متّكئه ـ (فلمّا خرّ سليمان (تبيّنت الجن) وعرفت (أن لو كانوا يعلمون الغيب) الشيء الغائب عن حواسّهم (ما لبثوا) هذه المدة المديدة (في العذاب المهين) أي تعب العمل الذي كانوا يعملونه لسليمان في بناء ما يريده من الأبنية.

إلى هنا تنتهي مقتطفات من قصة سليمان ابن داود (عليه السلام).
 
* * *
 
وقد كان سليمان كسائر الأنبياء، مثالاً للطهارة والنزاهة، والعدل والإرشاد، والزهد والتقوى.

أما ما ينسب إليه في بعض كتب أهل الكتاب، أو كتب بعض المفسّرين والمؤرخين، مما لا يليق بمقام الأنبياء، فذلك غير صحيح، فقد حرّف أهل الكتاب بعض الحقائق جهلاً أو عناداً، ثم تسرّبت تلك الأمور المشوّهة إلى بعض التفاسير وكتب السير.

بقيت نكتة ينبغي التنبيه عليها، وهي:

إن في (بعلبك) بلبنان قلعة عجيبة، بقيت أطلالها إلى هذا اليوم، وقسم من أهل الاطّلاع يقولون: إن هذا ليس من صنع البشر، لعدم وصول وسائل البناء في العصور السابقة، إلى ما يستطيع الإنسان معها من إنشاء مثل هذه (القلعة).

ولعلّ هذه القلعة من بناء (الجن) الذين كانوا مسخرين لسليمان (عليه السلام)، فقد ورد في كتب السير: أن محل سليمان ومسكنه كانا في (بعلبك) مدة من الزمن، وكان يسير منها ـ في البساط ـ إلى بيت المقدس كل يوم، لأجل البناء.

والله العالم بالحقائق، وهو المستعان.

 
 
1 ـ بحار الأنوار: ج66، ص335.

2 ـ في الآية، اختلاف كثير، ولعل بما ذكرناه يمكن الجمع بين ظاهر الآية، وبين الروايات، وبين عصمة الأنبياء.
 

 

xx لاهوت إبليس.. الملاك الساقط !(2) في المسيحية - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
14/07/2008, 20:08:02
لاهوت إبليس- الملاك الساقط في المسيحية

بقلم فراس السواح
تاريخ النشر: 2007-05-05
 
 

 

 
 
 


 على عكس الأسفار التوراتية المنحولة التي عرضنا لبعضها في المقالات السابقة، فإن أسفار العهد الجديد لا تقدم لنا رواية متسقة ومطردة عن منشأ الشيطان وسيرة حياته، وإنما مجرد إشارات تستند إلى الأسفار التوراتية المنحولة التي سبق وأن شرعت ببناء لاهوت الملاك الساقط قبل انتشار المسيحية. فالشيطان في العهد الجديد هو صاحب مملكة للشر تسود في هذا العالم. ويقارن إنجيل متى بين مملكة الشيطان هذه ومملكة الله التي ستبنى على أنقاضها بظهور يسوع المخلص (متّى 24:12-28). فللشيطان سلطان على هذا العالم قد دُفع إليه من قبل الخالق مؤقتاً وهو يتصرف به كما يشاء إلى حين تحقيق ملكوت الرب. فعندما أخذ الشيطان يسوع ليجربه في البرية مدة أربعين يوماً بعد أن اعتمد على يدي يوحنا المعمدان: "أصعده إبليس إلى جبل عالٍ وأراه ممالك المسكونة في لحظة من الزمان وقال له إبليس: لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهنَّ، لأنه إليَّ قد دُفع وأنا أعطيه لمن أريد. فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع..." (لوقا 5،4- flowers.

بسبب هذا السلطان لإبليس على العالم، فقد دعاه إنجيل يوحنا برئيس هذا العالم. ولكن رئاسته تتضعضع مع مجيء يسوع. يقول الإنجيل على لسان يسوع: "الآن دينونة هذا العالم. الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجاً. وانا إن ارتفعت عن الأرض أجذب الجميع إليّ." (يوحنا 31،12). ودعاه بولس الرسول في رسائله بإله هذا الدهر لما له من سلطان قبل ظهور المسيح: "ولكن إن كان إنجيلنا مكتوماً، فهو مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة مجد إنجيل المسيح." (2 كورنثه، 3:4-4).

يتخذ الشيطان من النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني مجالاً رئيسياً لنشاطه. يشبهه بطرس الرسول بأسد يزأر على الدوام باحثاً عن فريسته: "اصحوا، واسهروا، إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه، فقاوموه راسخين بالإيمان" (1 بطرس، 5: 8-9). وهو يرسل زبانيته لتسكن في أجساد الناس وتسبب لهم أعراض الصرع والجنون (متى 34:9، مرقس 17:9-27). وهو يجرب الناس ليوقعهم في الخطيئة (1 كورنثه 5:7). وهو وراء الخطيئة الأصلية (رومه 12:5 و 7:7). ومنذ أن أُخضع آدم وحواء لسلطته فقد أخضع الجنس البشري لصولته الظالمة (إفسوس، 1:2-3). لقد حققت قيامة المسيح هزيمة إبليس بالفعل، ولكن المعركة لن تنتهي تماماً إلا عند آخر مشهد من مشاهد تاريخ الخلاص، وذلك في يوم الرب عندما يبيد المسيح في قدومه الثاني كل قوة ورئاسة وسلطان لإبليس ويسلم الملك للأب (1 كورنثه، 24:15-28).

أما عن أصل الشيطان ونشأته فإن الإشارات المقتضبة في العهد الجديد تنسج على منوال الفكر التوراتي المنحول: فالشياطين هم ملائكة ساقطون عصوا وأخطأوا، على ما نفهم من رسالة بطرس الثانية 2، 4-5: "لأنه إن كان الله لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا، بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلَّمهم محروسين للقضاء...إلخ". وفي رسالة يهوذا 6 نقرأ: "الملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم، حفظهم إلى يوم الدينونة العظيم بقيود أبدية تحت الظلام." هؤلاء الملائكة الساقطون هم جند إبليس الذي تبعوه بعد عصيانه وصاروا ملائكة له، على ما نقرأ في إنجيل متى 25، 31-41: "... ثم يقول للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي لترثوا الملكوت المعد لكم... ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته."

هذه نبذة عن المعلومات التي يمكن استخلاصها من العهد الجديد عن الشيطان ومملكته ودوره ونهايته؛ وهي غير كافية من أجل إعادة بناء لاهوت واضح عن هذه الشخصية على الرغم من كل الأهمية التي أُسبغت عليه باعتباره رئيس أو إله هذا العالم. ذلك أن مؤلفي العهد الجديد كانوا في البداية يتوجهون إلى مؤمنين نشأوا في بيئة ثقافية مطلعة تمام الإطلاع على الفكر التوراتي المنحول، ولديهم فكرة عن لاهوت إبليس الذي أسس له ذلك الفكر. ولكن انتشار المسيحية خارج بيئتها الأولى هذه قد دعا العقيدة المسيحية لأن تتقدم بلاهوت متسق ومتكامل عن الشيطان. وهذا ما فعلته ابتداءً من القديس أوغسطين، وساهم به تدريجياً عدد من كبار اللاهوتيين المسيحيين، وقاد إلى تكوين لاهوت إبليس باعتباره ملاكاً عاصياً طُرد من السماء بسبب عصيانه، وهبط إلى الأرض مع من تبعه من الملاكئة. وعلى الرغم من انطلاق لاهوت إبليس المسيحي من الفكر التوراتي المنحول الذي استمد منه معظم عناصره، إلا أنه صاغ هذه العناصر بما يلائم العقيدة المسيحية، على ما سنراه في العرض المختصر التالي:

منذ الأزل لم يكن سوى الله، وجود مكتمل قيوم بذاته أزلي غير مخلوق، جوهره النور. وكان هذا الوجود بطريقة غامضة وسرية ثلاثة في واحد وواحدا في ثلاثة، هم الأب والابن والروح القدُس. منذ الأزل كان الابن يصدر عن الأب، والروح القدس يصدر عنهما، فهم ثالوث مجيد وإله واحد. عندما يتأمل العقل هذه السرمدية السابقة على الخليقة يصعب عليه تكوين صورة صادقة عن الحقيقة الواحدة المثلثة، لأن الابن- الكلمة لم يكن بعد قد تجسد في يسوع، ولم يكن الروح القدس قد هبط في صورة حمامة نارية معلناً بنوة يسوع للأب، ومتابعاً حضوره الفعال في توجيه البشرية نحو الخلاص.

منذ عصور لا بداية لها كان الابن موضع حب الأب ومسرته، وكان الروح القدس بمثابة الحب الذي يغلق الدارة بينهما؛ فهم دارة حب مكتملة لم ينقصها شيء، ولم تكن بحاجة لأن يصدر عنها شيء، لأن أي خلق آخر لن يرقى إلى حالة تمامها واكتمالها وغناها عما عداها. غير أن دارة الحب الإلهي قد فاضت حتى جاء وقت أراد الله فيه أن يخلق ما سواه، وذلك بحرية مطلقة ودون سبب ملزم؛ فكان أول ما صدر عنه، وبأمر من كلمته الخالقة، عالم من الأرواح الصرفة مصنوعة من طبيعة النار هم الملائكة، الذين توضعوا في تسع طبقات توزعت على تسعة أفلاك نورانية تحيط بمركز النور الأسمى. وكان أقرب هذه الطبقات إلى الله طبقة الكيروبيم، وهم أرواح المعرفة، ليس لهم جسم وإنما رأس فقط عليه جناحان. يليها طبقة السيرافيم، وهم أرواح الحب، لهم جسد وستة أجنحة، يليهم حملة العرش وهم عجلات كرسي الرب، لهم أربعة أجنحة وأربعة وجوه. هذه هي المراتب الثلاثة العليا من الملائكة. أما المراتب الثلاثة الوسطى فهي السيادات والسلاطين والقوى، وتتوسط بين المراتب الثلاثة القريبة من الرب والمراتب الثلاثة الأخيرة الموكلة بشؤون العالم، وهم الأمراء والرؤساء وجمع الملائكة. فالأمراء هم الأبعد عن الشؤون التفصيلية وموكلون بحفظ النظام الكوني، والرؤساء هم الأقرب إلى الأرض وموكلون بتسيير أمور الإنسان وعالمه، وهم القيمون على جمع الملائكة الذين يشكلون المرتبة الدنيا.

وأسفار العهد الجديد تذكر أربعة من هؤلاء الرؤساء وهم ميكائيل ورفائيل وأوريئيل وجبرائيل. فميكائيل هو رئيس جمع الملائكة طراً المتوضعين في المرتبة الدنيا، وهو رسول قضاء الله وأحكامه، وله مهمات حاسمة في يوم الدينونة، فهو سيدخل في الصراع الأخير مع إبليس ثم يقيده ويرميه في هاوية الجحيم، وهو الذي يمسك بيده ميزان الحساب الأخير. أما جبرائيل فهو رسول الرحمة الإلهية والبشارة الطيبة، وهو الذي حمل بشارة الحبل المقدس إلى مريم العذارء. وأما رفائيل فهو ملاك الصحة وحامل الشفاء للمرضى، وأما أوريئيل فهو نار الله ورسول النبوءات ومفسر مشيئة الله في عقول المختارين من أنبيائه وملهميه. ولقد كرس الله لكل فرد من البشر ملاكاً حارساً من ملائكة الفئة الواسعة الدنيا مخصصة لحراسته وحمايته من قوى الشر والظلام منذ يوم مولده، وهو يمده بحكمة وحب الأب الأعلى، كما يحمل إلى السماء صلواته.

لقد جاء خلق الله هذا كاملاً وكأفضل ما يكون الكمال الذي يلي كمال الله. ثم إن الله لم يضنّ على الملائكة بإحدى خصائصه وهي خصيصة الحرية، والحرية تعني الاستقلال والتسيير الذاتي دونما جبر أو إكراه، لأنه بدون الحرية لن يكون للملائكة القدرة على الحب الذي لا يمكن منحه إلا عن رغبة وطواعية. والحب هو جوهر وجود الله وينبغي أن يكون أيضاً جوهر وجود خلقه الكامل. على أن الحرية ليست بدون محاذير، لأن من هو حر في أن يحب حر أيضاً في أن يكره، وما إن تُمنح هذه الحرية لايمكن التحكم في كيفية استخدامها إلا بإلغائها. ولقد عرف الله محاذير هبته للملائكة، وعرف أيضاً أن هبة الحرية سوف يُساء استخدامها من قبل البعض، ولكنه قبِل المخاطرة لأن ما كان يخطط له من خلق عظيم يجعل من مثل هذه المخاطرة أمراً مبرراً.

والآن. من بين جميع الملائكة المقربين من الطبقة العليا كان المدعو لوسيفر (أي حامل الضياء) أجملهم وأروعهم خلقاً، وكان أفضل ما يمكن لصنعة الله البديعة أن تخلقه، فظن لإعجابه بنفسه وزهوه بكماله أنه يستحيل على الله أن يخلق من هو أكمل منه وأعلى شأناً.

عندما صحا لوسيفر من العدم، بهرت أبصاره أنوار المجد فغطى وجهه بجناحيه، ثم راح مأخوذاً يحدق إلى مركز النور العظيم، يسبح بحمد الله وينشد مع بقية الملائكة المقربين مجد الله وعظمته. وكلما حدق لوسيفر أعمق فأعمق إلى لُجة الضياء ومركز الثالوث الأقدس، صار يشارك العلي رؤى المستقبل ويتوحد بعلمه للماضي والمستقبل، فشعر بالسعادة الغامرة والروعة البالغة لمثل هذه المشاركة. إلى أن جاء وقت عرف فيه أن الله يُعِدُّ خطة لخلق جديد، ويعد فيه مكاناً أعلى وأسمى من مكان الملائكة المقربين لكائن مختلف عنهم مصنوع من مادة كثيفة لا ترقى إلى ماهيتهم النورانية، هو الإنسان.

رأى لوسيفر ذلك بعين بصيرته، فتملكته الضغينة وملأت الأذية روحه ووجدانه، ففضل مجده الملائكي على القصد الإلهي والمشيئة العلوية، ونوى التمرد والعصيان بحرية تامة رغم علمه الأكيد بما سيجره عليه عصيانه من عواقب وبما ينتظره من لعنة أبدية. ولكنه فضل السقوط واللعنة على فقدان عزته ومجده الملائكي، وإظهار الخضوع لكائن أقل منه نورانية وروحانية. وهكذا أدار لوسيفر وجهه عن نور الله رافضاً المشاركة في خطة الخلق القادمة ونتائجها، وأدبر ففر نحو الشفق الخافت حيث الوجود يلامس العدم، وتبعه عدد كبير جداً من الملائكة الذين وقفوا في صفه وارتأوا رأيه، فقادهم جميعاً بعيداً عن دائرة الرحمة حيث وضعوا أنفسهم في خدمة العدم بدلاً من خدمة الوجود، وراحوا يتحفزون من أجل تخريب خطة الخلق، وإفساد الإنسان الذي كرَّمه الله وفضله عليهم. وهكذا تحول لوسيفر إلى إبليس، الملاك المظلم. وتحول ملائكته إلى شياطين، فنظَّمهم في تسع طبقات سفلية تناظر الطبقات التسع العلوية التي جاؤوا منها.

وهكذا ظهر الشر على المستوى الروحاني، ولكنه مازال شراً مشلولاً عاجزاً، يتولد ويتلاشى في عالم الظلمة الخارجية، ينتظر خلق العالم المادي وسيد ذلك العالم لينقض عليه ويثأر منه.

فوق مياه الغمر العظيم، وهو المادة البدئية التي تنطوي على ممكنات الكون المقبل، كان العالم الروحاني يتماوج في اتساقه وكماله: الثالوث المقدس في المركز وحوله تسعة أفلاك تتوضع فيها آلاف مؤلفة من الأرواح الملائكية. ثم عمد الأب بواسطة كلمته (= اللوغوس- الابن) إلى خلق العالم في ستة أيام، وكان الإنسان آخر ما خلق. فقد جبل الله آدم من تراب الأرض ثم نفخ فيه من روحه فصار آدم نفساً حية. وبذلك تم التجسد الأول للحق في الخلق؛ أما التجسد الثاني فسيكون في يسوع المسيح الذي حملت به مريم من الروح القدس، فهو آدم الثاني.

كان آدم تجسيداً للكمال الإنساني الذي أراده الله، وهو على الرغم من جبلته المادية فقد وُلد خالداً مثل الملائكة لا يطاله الفناء، وكان مثلهم أيضاً حراً مستقل الإرادة. ثم غرس الله في عدن، في وسط الأرض، جنة تماثل الجنة السماوية وأسكن فيها آدم، ثم خلق من ضلعه حواء امرأته. أمر الله آدم وحواء أن يأكلا من شجر الجنة إلا شجرة معرفة الخير والشر، فعاشا في انسجام تام مع الطبيعة التي كانت تمدهما بما يحتاجان إليه دون عمل، إلى أن تدخل إبليس وجاءهما على هيئة أفعوان فأغوى حواء بالأكل من الشجرة فأخذت من ثمرها فأكلت ثم أطعمت زوجها. وبذلك حلت اللعنة على إبليس وعلى الإنسان وعلى عالم الطبيعة برمته، لأن الإنسان كان رأس هذا العالم وسيده، فأخرجه من الجنة إلى الأرض التي جُبل منها، ليعمل فيها ويشقى ثم يموت ويعود إلى التراب الذي خُلق منه. وبسقوط الإنسان سقط معه العالم بأكمله وانفصل عن مجد الله، وأُسلم إلى يد الشيطان في انتظار قدوم المخلِّص.

إن الفترة الفاصلة بين السقوط وميلاد يسوع، هي إذن فترة ترقب وانتظار للمخلص الذي سيحرر العالم والإنسان من الظلام ومن اللعنة، وهي فترة سيادة الشيطان على العالم، فهو كما رأينا رئيس هذا العالم وإله هذا الدهر، وهو مع زبانيته رؤساء وسلاطين وولاة على هذا العالم وعلى ظلمة الدهر. في هذه الفترة الوسيطة من التاريخ العالم مدان والإنسان مدان لأنهما شريكان في سر الشر الذي يعمله الشيطان خلال هذا الدهر. وكل مولود إنساني واقع تحت سلطان أمير الظلام ورازح تحت لعنة الخطيئة الأصلية التي جلبها آدم على ذريته. والإنسان مدعو في كل خطوة يخطوها إلى الخطيئة، ولكن الله ترك للإنسان منفذاً من الخطيئة إن هو أصغى إلى صوت الخير الذي ينبعث من داخله. ولهذا يدعو المؤمن ربه عند كل صلاة أن ينجيه من الشيطان ولا يوقعه في الخطيئة. "لا تُدخلنا في تجربة ولكن نجنا من الشرير."
ولكن الله كان يُضمر منذ البداية خطة لتخليص الإنسان دون الإخلال بمبدأ الحرية الذي ارتضاه للوعي المستقل عنه. سوف يهبط الأقنوم الثاني في الثالوث ليغدو إنساناً لأمد معلوم، فيدخل في زمن الناس وفي دورة الحياة والموت، ليخلص خلقه من اللعنة القديمة، ثم يموت على الصليب في الجسد. وهكذا كان عندما افتدت الذبيحة الإلهية، وهي القربان الكامل، الإنسان فخلصته من الموت الذي جلبته خطيئة آدم، وفتحت أمامه بوابة الأبدية
نقلا عن منتدى الأوان.
   
 
 

xx لاهوت إبليس.. الملاك الساقط ! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
04/07/2008, 00:07:13

 
2007-06-20 10:55:14 لاهوت إبليس الملاك الساقط: الأفكار التأسيسية / فراس الســواح 
 

تكاد شخصية الشيطان أن تكون غائبة عن كتاب التوراة العبرانية، فهولا يظهر إلا مرات قليلة حيث يتخذ دور التابع ليهوه المنفذ لأوامره في معظم الأحيان. وربما كان واحداً من ملائكته موكلاً بإتيان بعض المهام الشريرة، على ما نفهم من مطلع سفر أيوب وهو الموضع الوحيد في التوراة الذي يلعب فيه الشيطان دوراً بارزاً. ولعل السبب في بقاء الشيطان في دائرة الظل، هو كون الخير والشر وجهان متكاملان للإله التوراتي الواحد، فهو صانع الخير وصانع الشر يوجههما بطريقة تخفى غاياتها عن أفهام عباده. نقرأ في سفر إشعيا 45، 76: "أنا الرب وليس آخر، مصِّور النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر، أنا صانع كل هذا". ونقرأ في سفر يشوع بن سيراخ 11، 14-15: "الخير والشر، الحياة والموت، الفقر والغنى، من عند الرب". ونراه في سفر التثنية 32، 39-42 يتباهى بأن سهامه تسكر بالدم ويأكل سيفه اللحم مغمساً بدم القتلى: "أنا أميت وأحيي، سحقت وإني أشفي... إذا سللت سيفي البارق وأمسكتْ
بالقضاء يدي، أُسكر سهامي بدمٍ ويأكل سيفي لحماً بدم القتلى والسبايا ومن رؤوس قوات العدو". وهو حين يغضب يخرج دخان من أنفه ونار من فمه. (المزمور 18، 7-8). وعندما يتحرك يسبقه الوباء ومن عند رجليه تخرج الحمى. (حبقوق 3، 4-6).
لقد دونت آخر الأسفار التوراتية التي اعتبرت قانونية خلال الفترة الانتقالية من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، وهي الأسفار الـ 39 التي أقرها مجمع يمنيا في فلسطين عام 90 للميلاد باعتبارها الأسفار الرسمية المكونة للكتاب المقدس العبري.

إن خلو الإيديولوجيا التوارتية من مفهوم واضح عن الشيطان قد جعلها خلواً أيضاً من فكرة التاريخ الذي يقوده صراع الخير والشر إلى نهاية للزمن يعقبها تحويل كامل للوجود إلى مستوى ماجد وجليل، كما جعلها خلواً من فكرة الثواب والعقاب والجحيم والنعيم في العالم الآخر. إن التاريخ يتحرك بشكل خطي في الإيديولوجيا التوراتية ولكن لا نحو خلاص الإنسانية جمعاء من ربقة الشيطان في اليوم الأخير الذي ينتصر فيه الخير على الشر، بل نحو يوم ينتصر فيه بنو إسرائيل على كل أعدائهم ويجعلونهم عبيداً في خدمتهم؛ عند ذلك يحل ملكوت الرب على الأرض، وهو مملكة يوتوبية يحكمها الإله يهوه بشكل مباشر. وخلال هذه الأحداث يلعب المسيح اليهودي دوراً حاسماً، فهو الإنسان المتفوق الذي يُمسح ملكاً على إسرائيل ويجمع منفييها من جهات العالم الأربع، ويحارب أعداءها في كل مكان ممهداً لقيام ملكوت الرب.

لقد دُوّنت أواخر الأسفار التوراتية التي اعتبرت قانونية، خلال الفترة الانتقالية من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، وهي الأسفار التي أقرها مجمع يمنيا في فلسطين نحو عام 90 للميلاد باعتبارها الأسفار الرسمية التي يتألف منها الكتاب المقدس اليهودي وعددها 39 سفراً. ولكن الأسفار التي تم استبعادها من المجموعة الرسمية، وأسفار أخرى تم تدوينها لاحقاً وصولاً إلى نهاية القرن الثاني الميلادي، وجميعها اعتبرت منحولة، أي معزوة إلى أسماء شخصيات توراتية لم يكونوا مؤلفيها الحقيقيين، مارست تأثيراً على الفكر الديني اليهودي لا يقل عن تأثير الأسفار الرسمية، ومدت الفكر الرباني والتلمودي اللاحق بكثير من عناصره المؤسِسة. وبتأثير من الأفكار الزرادشتية التي شاعت في المنطقة المشرقية، فقد قدمت هذه الأسفار غير الرسمية أفكاراً جديدة على الإيديولوجيا الدينية التوراتية، أهمها فكرة الشيطان الكوني، وصراع الخير والشر الذي يقود حركة التاريخ، والقيامة العامة للموتى في اليوم الأخير. والثواب والعقاب، ومسيح آخر الزمن، والجنة والنار. وقد انفردت هذه الأسفار بالتأسيس للاهوت إبليس باعتباره ملاكاً عصى ربه فأُبعد عن مملكة السماء مع من أغواهم من الملائكة، وتحول إلى شيطان يعارض إرادة الرب ويعمل على زرع الشر في العالم، وعلى وجه الخصوص في نفوس البشر. وسوف نعمل فيما يلي على متابعة تطوير الأسفار غير القانونية لهذا اللاهوت الخاص، واستمراره في العقائد المشرقية التالية.

يتألف الأدب التوراتي المنحول من ستة وخمسين وثيقة تستغرق في آخر وأهم طبعة حديثة لها[1]يبتديء لاهوت الملاك الساقط بالتوضح في الوثيقة المعروفة بسفر أخنوخ الأول[2]في هذا السفر لايتحدث الكاتب عن ملاك واحد ساقط باعتباره أصلاً للشر، بل عن مجموعة من الملائكة يبلغ عددهم مائتين. فعندما تكاثر البشر بعد وفاة آدم وحواء، وولد لهم بنات حسان وجميلات، حدث أن فريقاً من الملائكة أبناء السماء رأوهن فاشتهوهن، فقال بعضهم لبعض: هلم بنا نختار لأنفسنا زوجات من بين بني البشر وننجب منهن نسلاً. فقال لهم رئيسهم سيمياز: أخشى أن تتراجعوا عن فعل هذا الأمر بعد الشروع به وأدفع وحدي ثمن هذه الخطيئة العظيمة. فأجابوا جميعاً: دعونا نقسم قسماً، ولتحل اللعنة على كل من يتراجع عن فعل هذا الأمر. فأقسموا جميعاً وارتبطوا بقسم اللعنة هذا؛ ثم هبطوا من السماء على قمة جبل حرمون. وهذه أسماء رؤسائهم: سيمياز، راميئيل، تامئيل، دانئيل...إلخ. هؤلاء هم رؤساء العشرات، وكان الجميع تحت إمرتهم.

ويتابع الكاتب فيقول بأن هؤلاء الساقطين الذين ينتمون إلى فئة ساهري السماء الموكلين بتفقد أحوال الأرض على الدوام، قد اتخذوا لأنفسهم زوجات من بين الناس، فولدت الزوجات لهم عمالقة طول الواحد منهم ثلاثة أذرع. ولكن شر العمالقة كثر على الأرض وأكلوا الأخضر واليابس، وعندما لم يبق ما يكفي لطعامهم راحوا يلتهمون البشر أيضاً، فصعد صراخ البشر إلى السماء. عند ذلك نظر الملائكة ميكائيل وسورافيل (= إسرافيل) وجبرائيل من الأعالي، ورأوا ما يجري على الأرض من شر وعنف، فمضوا إلى الرب وأطلعوه على الأمر. بعث الرب مع الملائكة إلى أخنوخ يأمره بأن يذهب إلى الساقطين وينقل لهم قضاء السماء بشأنهم؛ فهم سيشهدون ذبح أولادهم العمالقة، وبعد ذلك يقيدون في ثنايا الأرض لسبعين جيلاً حتى يوم الدينونة، عندها سيقادون إلى هوة النار وإلى العذاب الأبدي. سمع الساقطون حكم الرب عليهم فارتاعوا، وطلبوا من أخنوخ أن يشفع لهم عنده ويقبل استرحامهم؛ فمضى أخنوخ وجلس عند ضفة النهر حيث قرأ استرحام الساقطين، وكرر ذلك حتى وقع عليه سبات وعرضت له رؤيا، فرأى فيما يرى النائم أنه قد عُرج به السماء حيث مثل في حضرة الرب:

"كنت ساجداً طيلة الوقت أرتعد. ثم كلمني الرب بصوته قائلاً: تقدم يا أخنوخ واسمع كلامي... اذهب إلى ساهري السماء الذين أرسلوك لتسترحم من أجلهم وقل لهم: لقد كان أحرى بكم أن تسترحموا من أجل الإنسان لا أن يسترحم الإنسان من أجلكم. لماذ توليتم عن السماء العليا المقدسة لتناموا مع النساء وتتدنسوا ببنات الناس، وتأخذوهن لكم زوجات مثل بني البشر وتنجبوا منهن نسل العمالقة؟ لقد كنتم قديسين وروحانيين، ولكنكم تدنستم بدم النساء وأنجبتم أولاداً من لحم ودم، ومثل الذين يموتون ويفنون صار لكم توق لجسد اللحم والدم. لقد أعطيت أولئك نساءً ليخصبونهن وينجبوا منهن أولاداً لكي لا يفنى جنسهم على الأرض، أما أنتم فكنتم روحانيين وخالدين فلم أعطكم زوجات لأن السماء مسكنكم. والآن فإن العمالقة أولادكم نسل الروح والجسد سيدعون أرواحاً شريرة، لأن أرواحاً خبيثة سوف تصدر عن أجسادهم المذبوحة ويكون في الأرض مسكنها. لن يأكلوا ويشربوا على الرغم من أنهم يجوعون ويعطشون. سوف يسببون الأذى والعنف والدمار على الأرض، ويدفعون الناس إلى الخطيئة وإلى المعصية، ويقومون ضد أبناء الناس وضد النساء لأنهم منهن أتوا. عندما يَهلَك العمالقة سوف تعيث الأرواح الخارجة منهم فساداً وترتع بلا رادع إلى يوم الحساب الأخير، يوم يهلك الساهرون الساقطون. فقل لهم لن يكون لكم سلام أبداً".

بعد ذلك يأخذ الملائكة أخنوخ في جولة تكشف له أسرار السماء، ويستغرق وصف هذه الجولة
  بقية الجزء الأول من السفر. وقد رأى، من جملة ما رأى، خزانات الرياح، وخزانات البروق والرعود وخزانات الغيوم والثلوج. ورأى منابع الأنهار كلها ومنابع البحر. ورأى الملائكة التي تحرك عجلات القمر والشمس وبقية الأجرام السماوية، والملائكة التي تسند قبة السماء عند آفاق الأرض حيث بوابة السماء التي تخرج منها النجوم في مواعيدها، وبوابات الرياح الأربعة، وبوابات الثلج والبَرَد والضباب والندى. ورأى مكان المطهر حيث تلبث أرواح الموتى في انتظار يوم الحساب الأخير. ورأى جنة الأبرار وجحيم الكفار.

تحتوي الأجزاء اللاحقة من السفر على عدد آخر من الرؤى مصاغة بأسلوب شعري ترميزي يفتقد إلى الشروحات التفصيلية التي ميزت الجزء الأول. ولسوف نقتبس فيما يلي أهم هذه الرؤى المتصلة بموضوعنا، وهي التي تدور حول المخلَِّص المنتظر المدعو بابن الإنسان، والتصورات الآخروية المتعلقة بنهاية الزمن.

مبدأ الأيام وابن الإنسان:، التي يُرجع الاختصاصيون زمن تدوينها إلى أواخر القرن الثاني قبل الميلاد. وقد عُثر على مقاطع متفرقة من هذا السفر باللغة الآرامية بين نصوص قمران (مخطوطات البحر الميت)، كما عُثر على مقاطع متفاوتة الطول منه باللغتين اليونانية واللاتينية. أما النص الكامل فمتوفر فقط باللغة الإثيوبية، لأن الكنيسة الإثيوبية قد تبنته باعتباره جزءاً من كتاب العهد القديم.

نحواً من ألفين من الصفحات. وقد اخترت التوقف عند أهم هذه الوثائق التي تحتوي على الأفكار التأسيسية للاهوت الملاك الساقط.
"هناك رأيت الذي رأسه مبدأ الأيام (= الرب). كان شعره مشتعلاً بياضاً مثل الصوف، ومعه كائن آخر له مظهر إنسان ووجهه ممتليء نعمة كملاك قديس، فسألت الملاك المرافق أن يكشف لي سر ابن الإنسان من هو، ولماذا يرافق مبدأ الأيام. فقال لي: هو ابن الإنسان الممتليء بالخير والذي به يحيا الخير. لأن رب الأرواح قد اختاره، وقدره كل خير أمام رب الأرواح إلى الأبد. إن ابن الإنسان الذي رأيت، سوف يرمي الملوك والجبابرة والأقوياء عن عروشهم وكراسيهم، لأنهم لم يحمدوه ولم يمجدوه ولم يعترفوا بمصدر مُلكهم وسلطانهم. سوف يخلع قلوب الأقوياء، ويكسر أسنان الخطأة ويخفض وجوه العتاة ويمرغها بالعار... فيضطجعون ولا يقومون".

نلاحظ هنا أن الفكر المنحول قد تحول عن فكرة مسيح آخر الأزمنة في الإيديولوجيا التوراتية، إلى فكرة "الحقيقة المسيحانية" القائمة مع الله قبل خلق العالم. فالمسيح هو حقيقة كونية سوف تتجسد في إنسان عندما يأتي التاريخ إلى نهايته:

"... قبل أن تخلق الشمس وبروج السماء ونجومها، دُعي اسمه أمام رب الأرواح. سيكون نوراً تهتدي به الأمم وأملاً لجميع المحزونين. أمامه سوف يسجد أهل الأرض ويعبدونه ويحمدون ويباركون رب الأرواح بالأناشيد. لأجل هذا تم اصطفاؤه وحجبه في حضرة رب الأرواح من قبل خلق العالم وإلى نهاية الدهر... في تلك الأيام سيُذلُّ الملوك والمتنفذون جراء ما اقترفته أيديهم... وسوف يسلَّمون إلى أيدي المختارين، فيحترقون مثل قش في نار أمام وجه القديسين وينمحي أثرهم...".

القيامة والبعث:
في الرؤى التالية هنالك إشارات متفرقة إلى القيامة والحساب والمعاد نلخصها فيما يلي:

فمن علامات اقتراب الساعة انتشار الظلم وغياب العدالة، وشح المطر، وجدب الأرض، واضطراب مسارات الأجرام السماوية، وتغيير القمر لمواعيد طلوعه. وعندما تحل الساعة يحدث من الأهوال ما يجعل كل مرضعة تغفل عن رضيعها وترميه عن صدرها. عندها يُبعث من في القبور، وكل الذين هلكوا بدون دفن ومُحق أثرهم، كالذين هلكوا في الصحراء أو غرقوا في الماء والتهمتهم الأسماك، أو من افترستهم الكواسر؛ ويقف الجميع للحساب أمام رب الأرواح. ثم تُفتح بوابة الجحيم وهي هاوية عميقة لا يسبر غورها ومهما وفد إليها من الناس لا تمتليء، فيها ملائكة العذاب ومعهم أدوات العقاب من سلاسل وقضبان وما إليها، وفي قعرها تضطرم نار أبدية تتلقف المجرمين.

سفر عزرا الرابع:
يقدم لنا هذا السفر تنويعاته الجديدة على التصورات الأخروية للفكر المنحول. وهو يعود في نسخته العبرية الأصلية إلى أواخر القرن الأول الميلادي، وله ترجمات إلى كل من اليونانية واللاتينية والإثيوبية والقبطية والأرمنية. ويحتفظ الفاتيكان بترجمتين عربيتين قديمتين تحت رمز العربية 1، والعربية 2.

في مدينة بابل التي سيق إليها عزرا مع بقية سبي مملكة يهوذا، تعرض له سبع رؤى متتابعة، في الرؤيا الأولى يناجي عزرا ربه ويطرح عدداً من التساؤلات حول أصل الشر ومصير إسرائيل والعالم وكيفية ثواب المحسنين وعقاب المسيئين، فيظهر له الملاك أوريئيل الذي ينقل له عن لسان الرب أجوبة تساؤلاته. ففيما يتعلق بنهاية الزمن والتاريخ يقول له إن الساعة قادمة لاريب فيها، ولكن تسبقها إشارات وعلامات. ففي ذلك الوقت يتملك الناسَ ذعر عظيم، وتغيب سبل الحق ويختفي الإيمان في الأرض. الشمس تشرق في الليل والقمر يطلع في النهار، والدم ينبثق من الأشجار. الصخر يتكلم ويسمع صوته، والنجوم تغير مجراها وتتساقط على الأرض. تتشقق الأرض عبر البطاح وتندلع نيران لا تنطفيء. تترك الطيور أعشاشها وتفر، والكواسر تهجر مقراتها، والبحر يلفظ أحياءه. تجف الحقول وتفرغ الأهراءات، ويختلط ماء الأرض الحلو بمائها المالح. يقوم الإخوة والأصدقاء ضد بعضهم ويتقاتلون بضراوة. عمل الناس لا يعطي ثماراً وكدهم يذهب هباءً.

في الرؤيا الثالثة ينقل الرب لعزرا خبر مملكة المسيح القادمة على الأرض والتي ستدوم مدة أربعمئة سنة: "هو ذا يوم يأتي بعد ظهور الإشارات التي أبنأتك عنها، فتظهر المدينة التي لا أثر لها الآن ويُكشف عن الأرض غير المنظورة الآن. عندها سيرى عجائبي كل من نجا من الكوارث التي أخبرتك بخبرها. عندها سيظهر المسيح ابني والذين معه، وسينعم الذين بقوا مدة أربعمئة سنة. ثم يموت المسيح ويموت كل ذي نسمة حياة، ويعود العالم إلى الصمت البدئي مدة سبعة أيام كما كانت حاله قبل البدايات. بعد ذلك يستيقظ العالم النائم ويتلاشى منه ماهو قابل للفساد... ستلفظ الأرض الأجساد النائمة فيها، وتُخرج ردهات المطهر ما عُهد إليها من أرواح، ويظهر العلي مستوياً على عرش الدينونة. عندها تزول الرحمة ويغيب الصبر ويبقى الحساب العسير، ويُعرض الثواب والعقاب. عندها تتعرى هاوية العذاب ويبرز في مقابلها مقام النعيم، يُكشف عن أتون الجحيم ويبرز في مقابله الفردوس المقيم.

"عندها يقول العلي للأمم التي بعثت من الموت: انظروا الآن إلى الذي أنكرتم وصاياه، ثم انظروا إلى هذه الجهة وإلى تلك، هنا النعيم المقيم وهناك العذاب والجحيم. هذا ما يقوله العلي في يوم الدينونة، يوم لا شمس فيه ولا قمر ولا نجوم، لاسحب فيه ولا رعد ولا برق ولا ريح ولا ماء، لا صباح فيه ولا مساء، لا صيف فيه ولا ربيع ولا حرّ ولا صقيع ولا وابل ولا ندى... وحده مجد العلي يتلألأ".

في الرؤيا السادسة نجد المسيح طالعاً من وسط البحر: "هبت من البحر ريح دفعت أمامها كل أمواجه. فنظرت ورأيت من قلب الريح شكل إنسان يطلع من البحر. ثم رأيت ذلك الإنسان يطير مع الغيوم في الأعالي، وأينما أدار وجهه حدثت رجَّة ورجفة، وكلما هدر صوته ذاب سامعوه مثلما يذوب الشمع المحمى. ثم رأيت حشوداً تهب من الجهات الأربع لتقاتل الرجل الطالع من البحر، ولكنه اقتطع حبلاً عظيماً بيديه وقذفه عليهم، فتملك الذعر تلك الحشود التي تجمعت للقتال ولكنها عزمت على الهجوم. فلما رآها تقترب منه لم يرفع يداً ولم يمسك حربة أو سلاحاً، ولكنه أطلق من فمه زفيراً نارياً ومن لسانه عاصفة من الشرار، فامتزج الاثنان في تيار ملتهب انصب على الحشود المهاجمة فأتت عليهم جميعاً، ولم يبق في أماكن تجمعاتهم سوى الغبار والرماد وروائح الدخان. ثم رأيت الرجل يهبط من الجبل ويدعو إليه حشداً آخر هادئاً ومسالماً، فتقاطر إليه أناس بعضهم فرح وبعضهم حزين وبعضهم يرسف في الأغلال".

يطلب عزرا تفسير رؤياه فيأتيه جواب الرب على لسان الملاك موضحاً له معنى كل ما رأى. بعد ذلك يسأل عزرا عن مغزى طلوع الرجل من البحر فيأتيه جواب العلي: "كما أن أحداً لا يستطيع أن يكتنه مافي أعماق البحر، كذلك لا أحد على الأرض يستطيع رؤية ابني ومن برفقته إلا عندما يأتي يومه ووقته".
 
نقلا عن موقع ألف.

xx يسوع الثائر وموقفه من اليهود واليهودية - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
19/06/2008, 22:42:55
 يسوع الثائر وموقفه من اليهود واليهودية

بقلم فراس السواح
تاريخ النشر: 2007-05-21
 
 
 شخصية يسوع في الأناجيل الأربعة نموذجاً للثوري الذي جاء ليعلن نهاية عالم قديم، وتأسيس عالم جديد يتحقق في المثالي باعتباره واقعاً واليوتوبيا باعتبارها حالة يمكن أن نحياها. قال يسوع: "روح الرب نازل عليّ، لأنه مسحني وأرسلني عودة البصر إليهلأبشِّر الفقراء، وأبلغ المأسورين إطلاق سبيلهم، والعميان (والعميان هنا هم الراسخون في ظلمات الجهل، لا عميان البصر.) م، وأفرِّج عن المظلومين." (لوقا: 8:4). وقال: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والمثقلين بالأحمال وأنا أريحكم. احملوا نيري عليكم وتعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة نفوسكم." (متَّى: 28-29).

لقد كانت رسالة يسوع موجهة بالدرجة الأولى إلى الشرائح الاجتماعية الدنيا المتعبة والمعذبة، وكان راعياً للحرية والعدل والمساواة، ولم يلقَ الأغنياء منه أي تعاطف، بل لقد طالبهم بالتخلِّي عن ممتلكاتهم وتوزيعها على المحتاجين، فقد قال لغني أراد الانضمام إلى رفاق يسوع: "إذا أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع ما تملكه وتصدق به على الفقراء... لأَن يدخل جمل في سَم الإبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت السماوات. " (متى: 21:19-4- جميع مقتبسات العهد القديم في هذه المقالة مأخوذة عن الترجمة الكاثوليكية الجديدة.). وقال: "الويل لكم أيها الأغنياء فقد نلتم عزاءكم، الويل لكم أيها الشِباع فسوف تجوعون، الويل لكم أيها الضاحكون الآن فسوف تحزنون وتبكون." (لوقا: 24:6-25).

انطلاقاً من هذا الالتزام الاجتماعي فقد فضل يسوع الالتفات إلى الأفراد المنبوذين والمهمشين والخاطئين. ولما رأى منه بعض الكتبة من الفريسيين ذلك قالوا لتلاميذه: لماذا يؤاكل الخاطئين والعشارين؟ فسمع يسوع كلامهم فقال لهم: "ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى. ماجئت لأدعو الأبرار بل الخاطئين." (مرقس: 16:2-17). وقال لهم في مناسبة أخرى: "إن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله. جاءكم يوحنا المعمدان سالكاً طريق البر فلم تؤمنوا به، وآمن به العشارون والزواني، وأنتم رأيتم ذلك فلم تندموا وتؤمنوا به ولو بعد حين." (متى 31:21-32).

من هنا جاءت سخرية يسوع من السلطة، وحضه على إلغاء المراتبية الاجتماعية. فعندما وقع جدال بين تلاميذه في من يُعد أكبرهم قال: "إن ملوك الأمم يسودونها، وأصحاب السلطة فيها يريدون أن يُدعَوا محسنين. أما أنتم فليس الأمر فيكم كذلك، بل ليكن الأكبر فيكم كالأصغر، والمترئس كالخادم." (لوقا: 24:22-26). وقد ضرب لهم مثالاً في المساواة وتواضع الكبير عندما كان يتناول معهم العشاء الأخير. فقد "قام عن العشاء فخلع رداءه وأخذ مئزرة فائتزر بها، ثم صب ماء في مطهرة وشرع يغسل أقدام تلاميذه... فلما غسل أقدامهم ولبس رداءه وعاد إلى المائدة قال لهم: أتفهمون ما صنعت إليكم؟ أنتم تدعونني معلماً وسيداً، وأصبتم فيما تقولون فهكذا أنا. وإذا كنت أنا المعلم والسيد قد غسلتُ أقدامكم، فيجب عليكم أيضاً أن يغسل بعضكم أقدام بعض. فقد جعلتُ لكم من نفسي قدوة لتصنعوا ما صنعت إليكم." (لوحنا 5:13-15).

ولقد أدان يسوع سعي البشر المحموم إلى مراكمة الثروات والإقبال على الاستهلاك: "فلا تهتموا فتقولوا ماذا نأكل وماذا نشرب، فهذا كله يطلبه الوثنيون. وأبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون هذا كله. فاطلبوا الملكوت وبرَّه قبل كل شيء، تُزادوا على هذا كله." (متى 31:6-33). وقد طبق يسوع هذا على نفسه قبل أن يدعو الآخرين إليه، فترك أسرته وبيته في سبيل دعوته، وراح يتجول في القرى والبلدات غير آبه بما يأكل أو يشرب أو يلبس: "وبينما هم سائرون قال له رجل في الطريق: أتبعك حيث تمضي. فقال له يسوع: للثعالب أوجرة ولطير السماء أوكار، أما ابن الإنسان فليس له ما يضع رأسه عليه." (لوقا: 57:9-58).

مثل هذا الانقلاب الشامل على القيم التقليدية لن يحصل بيسر وسهولة، ولا بد من الصراع بكل عنف وشراسة، لأن حركة يسوع هي حركة راديكالية من شأنها تمزيق المجتمع القديم تمهيداً لإحلال المجتمع الجديد. قال يسوع: "لا تظنوا أني جئت لأحمل السلام إلى الأرض. ما جئت لأحمل سلاماً بل سيفاً." (متى 34:10-35). والعالم القديم يجب أن يحترق ليخرج من رماده العالم الجديد: "جئت لألقي على الأرض ناراً، وكم أرجو أن تكون قد اشتعلت." (لوقا: 49:12).

ولقد تمثل المجتمع القديم وقيمه في الوثنية التقليدية التي فقدت روحها خلال الفترة الهيلينستية، وفي اليهودية وشريعتها البالية، التي تكمن خصوصيتها في أنها شريعة طقوس ترمي بالدرجة الأولى إلى تأسيس الطرائق التي يُحب الإله يهوه أن يُبجَّل بها، ونوع الأضاحي المقربة إليه، والحفاظ على السبت، والاحتفالات الدينية الدورية، وتحديد ما يجوز وما لا يجوز في كل مناحي الحياة حتى زادت القواعد التي تقيد حياة اليهودي وسلوكه اليومي عن الستمئة قاعدة.

لقد كان الشغل الشاغل لليهود خلال القرون الخمسة السابقة للميلاد، وهي فترة تشكُّل العقيدة التوراتية، هو الحفاظ على تفردهم الديني بأي ثمن. وهذا ما أدى إلى إنتاج ظاهرتين مهمتين في الحياة الدينية اليهودية، أولاها التنظيم الكهنوتي، والثانية الحرص على الالتزام بالشريعة التي اعتُبرت حاجزاً يفصل اليهود عن بقية الأمم، وحارساً على إيمان إسرائيل. ولكن يسوع هدر ركني السلطة اليهودية هذين، أي الشريعة وحراسها من الكهنة والكَتَبة، والناموسيين (= علماء الشريعة)، والفريسيين الذين يمثلون النخبة المتعلمة من المجتمع اليهودي.
يسوع والشريعة:

على أن من يقرأ الإنجيل للمرة الأولى، ويُعجب بهذا الانقلاب الشامل الذي أراده يسوع، يدهش من أقوال له ترسخ القديم وتكرسه. فقد ورد في إنجيل مَتَّى قوله: "لا تظنوا أني جئت لأبطل كلام الشريعة والأنبياء. ماجئت لأبطل بل لأكمِّل. الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الشريعة حتى يتم كل شيء. فمن خالف وصية من أصغر تلك الوصايا وعلّم الناس أن يفعلوا مثله عُدَّ صغيراً جداً في ملكوت السماوات، وأما الذي يعمل بها ويُعلّمها فذاك يُعد كبيراً في ملكوت السماوات." (متى 17:5-19).

فهل كان يسوع نبياً يهودياً أخذ على عاتقه ترسيخ شريعة العهد القديم، أم كان صاحب رسالة جديدة تبطل الشريعة اليهودية الضيقة وتؤسس لعهد جديد بين الله والبشرية، يتجاوز العهد القديم بين يهوه وشعبه الخاص؟ في الحقيقة إن كل أقوال يسوع وأعماله التي تُفصلها الأناجيل الأربعة، تدل على تجاوزه لشريعة موسى، شريعة الحرف، وتأسيسه لشريعة الروح. قال يسوع في إنجيل يوحنا: "لم يعطكم موسى خبز السماء، بل أبي يعطيكم خبز السماء الحق، لأن خبز الله هو الذي ينزل من السماء ويعطي العالم حياة... أنا خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المنَّ في البرية وماتوا. هوذا الخبز النازل من السماء ليأكل منه الإنسان فلا يموت. أنا الخبز الذي نزل من السماء." (يوحنا: 32:6-51). وبذلك يستبدل يسوع شريعة موسى العتيقة التي وهبت الموت، بشخصه الحي الذي يهب الحياة الأبدية.

وهو لا يتجاوز موسى فقط وإنما يتجاوز كل شخصيات العهد القديم الدينية وصولاً إلى الأب الأول إبراهيم. فقد قال لليهود: "ابتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي، ورآه ففرح. قال له اليهود: أرأيت إبراهيم وما بلغتَ الخمسين بعدُ؟ فقال يسوع: الحق أقول لكم، كنت قبل أن يكون إبراهيم." (يوحنا: 56:8-58). وبهذا القول يتجاوز يسوع التاريخ اليهودي بأكمله، والذي يبتدئ بإبراهيم، ويجعل من نفسه مؤسساً لحركة روحية جديدة. وفي مقابل القول الذي نسبه إليه متى: "إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة من الناموس." نجده يقول: "الأرض والسماء تزولان وكلامي لايزول." (متى: 36:24).

في مطلع حياة يسوع التبشيرية، أعلن يسوع موقفه الواضح من شريعة العهد القديم. فعندما مرَّ وتلاميذه بين الزروع في يوم السبت، أخذ التلاميذ يقطفون السنابل ويأكلون منها. فقال له الفريسيون: انظر لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل؟ فقال لهم: إن السبت جُعل لأجل الإنسان، وما جُعل الإنسان لأجل السبت." (مرقس 23:2-28). وبذلك أخلَّ يسوع ببند من أهم بنود الشريعة، كان منتهكه يستحق الموت، على ما ورد في سفر الخروج 14:31. وقد دخل يسوع أيضاً في يوم سبتٍ أحد مجامعهم وكان فيه رجل يده مشلولة. وكان الفريسيون والكتبة يراقبونه ليروا هل يشفيه في السبت. فعلم يسوع أفكارهم فقال لهم: "أسألكم أعَمَلُ الصالحات يحل في يوم السبت أم عمل السيئات؟ أتخليص نفس أم إهلاكها؟ ثم أجال الطرف فيهم جميعاً وقال له: امدد يدك، فمدها، فعادت صحيحة.". وفي حادثة شفاء أخرى، أخذ اليهود يشغبون على يسوع لأنه عمل في يوم السبت، وسمح للمريض الذي شفاه أن يعمل أيضاً عندما قال له: قم احمل سريرك وامش. فقال يسوع لليهود جملة تحمل كل معاني السخرية من مفهومهم عن السبت: "إن أبي ما يزال يعمل، وأنا أيضاً أعمل." (يوحنا 16:5-17).

وقد ثار يسوع على مفاهيم الطهارة الشرعية التي تركز على الطهارة الظاهرة وتنسى الطهارة الحقيقية طهارة الباطن. فقد اجتمع لديه بعض الفريسيين والكتبة الآتين من أورشليم، فرأوا بعض تلاميذه يأكلون دون أن يغسلوا أيديهم، فسألوه: "لماذا لا يجري تلاميذك على سُنَّة الشيوخ، بل يتناولون الطعام بأيدٍ نجسة؟ فقال لهم: ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجس الإنسان. ألا تدركون أن ما يدخل الفم ينزل إلى الجوف ثم يخرج في الخلاء، وأما الذي يخرج من الفم فإنه ينبعث من القلب، وهو الذي ينجس الإنسان. فمن القلب تنبعث مقاصد السوء والقتل والزنى والفحش والسرقة وشهادة الزور والنميمة. تلك هي التي تنجس الإنسان. أما الأكل بأيدٍ غير مغسولة فلا ينجس الإنسان." (متى 1:15-20). وفي تعليق مرقس على الحادثة نفسها، يقول بأن يسوع في رده على الفريسيين قد جعل الأطعمة كلها طاهرة. (مرقس 19:7).

وقد عبَّر يسوع عن تخفيفه من أثقال الشريعة اليهودية التي لا يطيقها إنسان بقوله: "تعالوا إليَّ جميعاً أيها المرهقون والمثقلون فإني أريحكم. احملوا نيري وتتلمذوا لي، أنا الوديع المتواضع القلب، تجدوا الراحة في نفوسكم، لأن نيري لطيف وحملي خفيف." (متى 28:11-30). وهذه الحرية من الشريعة هي التي أكثر بولس الرسول من الحديث عنها في رسائله. فقد قال على سبيل المثال في الرسالة إلى أهالي غلاطية: "فاثبتوا إذاً في الحرية التي حررنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضاً بنير العبودية. ها أنا بولس أقول لكم إنه إذا اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئاً... لأنه في المسيح لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة، بل الإيمان العامل بالمحبة." (1:5-6).

وقد شبه يسوع شريعة القلب والمحبة بالخمرة الجديدة التي لا تقبل الاحتواء في زِقاق قديمة (جمع زق وهو القربة الجلدية) هي قوالب شريعة الحرف. فقد سُئل يسوع: "لماذا يصوم تلاميذ يوحنا وتلاميذ الفريسيين ولا يصوم تلاميذك؟ فقال لهم: أيستطيع أهل العرس أن يصوموا والعريس بينهم؟ فما دام العريس بينهم لا يستطيعون أن يصوموا. ولكن سيأتي زمن يرتفع العريس من بينهم، ففي ذلك اليوم يصومون... ما من أحد يجعل الخمرة الجديدة في زقاق قديمة، لئلا تَشُقّ الخمر الزقاق فتتلف الخمر والزقاق معاً. ولكن للخمرة الجديدة زِقاق جديدة." (مرقس 18:2-22).

وهو يلغي طقوس الذبائح والمحارق اليهودية، لأن الرحمة عنده تحل محل الذبيحة. فعندما استهجن الفريسيون مخالطته للعشارين والزواني والخاطئين، قال لهم: "ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب بل المرضى. فهل عرفتم معنى هذه الآية: إنما أريد الرحمة لا الذبيحة. وما جئت لأدعو الأبرار بل الخاطئين." (متى 11:9-13). وفي قول آخر له يُحل يسوع المحبة محل الشريعة: "أحبب الله ربك بجميع قلبك وجميع نفسك وجميع ذهنك. تلك هي الوصية الكبرى والأولى. والثانية مثلها: أحبب قريبك حبك لنفسك. بهاتين الوصيتين يرتبط كلام الشريعة والأنبياء." (متى: 34:22-40). وقال أيضاً: "افعلوا للناس ما أردتم أن يفعله الناس لكم. هذه هي خلاصة الشريعة وكلام الأنبياء." (متى 12:7).

وفي موعظة الجبل الشهيرة يناقض يسوع شريعة موسى في عدد من أهم فقراتها، مستخدماً صيغة "سمعتم أنه قيل للأولين... كذا، أما أنا فأقول... كذا." وبذلك يضع يسوع سلطة أقواله فوق سلطة بنود الشريعة القديمة. فقد قال على سبيل المثال: "سمعتم أنه قيل للأولين: العين بالعين والسن بالسن. أما أنا فأقول لكم: لاتقاوموا الشرير. من لطمك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر."... "سمعتم أنه قيل: أحبب قريبك وابغض عدوك. أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وادعوا لمضطهديكم، فتكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار." (متى 38:5-39، و43-44).

إن التناقض بين هذه الأقوال والمواقف ليسوع (وغيرها مما لم نذكره هنا) والقول الذي ينسبه إليه متى: "ماجئت لأنقض بل لأكمل". لن يزول حتى يتم حذف المداخلات اليهودية التي تم زرعها في "العهد الجديد". والتي آتت أُكُلُها أخيراً عندما اعتبرت الكنيسة كتاب التوراة جزءاً من الكتاب المقدس المسيحي.
عالمية رسالة يسوع:

في مداخلة يهودية أخرى، يضع إنجيل متى على لسان يسوع قوله إن رسالته محصورة ببني إسرائيل، ثم يصف الكنعانيين بالكلاب الذين لايستحقون بركته الشافية: "ثم خرج يسوع من هناك وذهب إلى نواحي صور وصيدا. وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك البلاد تصيح: رحماك سيدي يا ابن داود، إن ابنتي يتخبطها الشيطان تخبطاً شديداً. فلم يجبها بكلمة. فدنا منه تلاميذه يتوسلون إليه فقالوا: أجب طلبها واصرفها، فإنها تتبعنا بصياحها. فأجاب: لم أُرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل. ولكنها وصلت إليه فسجدت له وقالت: أغثني سيدي. فأجابها: لا يُحسن أن يؤخذ خبز البنين فيلقى إلى جراء الكلاب. فقالت رحماك سيدي، حتى الكلاب تأكل من الفُتات الذي يتساقط عن موائد أصحابها. فأجابها يسوع: ما أعظم إيمانك أيتها المرأة، فليكن لك ما تريدين. فشفيت ابنتها من ساعتها." (متى 21:15-28). وعندما وجه يسوع تلاميذه للتبشير، يجعله متى يقول لهم: "لاتسلكوا طريقاً إلى الوثنيين، ولا تدخلوا مدينة للسامريين، بل اذهبوا نحو الخراف الضالة من بيت إسرائيل." (متى: 1:10-6). فإلى أي حد تتوافق هذه الأقوال والمواقف الشوفينية المنسوبة إلى يسوع مع بقية أقواله ومواقفه في الأناجيل الأربعة، والتي أعلن يسوع من خلالها عن عالمية رسالته وشمولها للإنسانية جمعاء؟

في الحقيقة إن الأناجيل الأربعة تتكرر فيها مشاهد الوثنيين الذين يتبعون يسوع ويصغون إلى تعاليمه. من ذلك ما ورد في إنجيل مرقس حيث نقرأ: "فانصرف يسوع إلى البحر يصحبه تلاميذه، وتبعه جمع كبير من الجليل، ومن اليهودية، ومن عبر الأردن، والذي حول صور وصيدا." (مرقس 7:3-8). أي إن من وصفهم يسوع بالكلاب من سكان صيدا كانوا في عداد من تبع يسوع، وكذلك سكان المدن العشر اليونانية الوثنية في عبر الأردن. وفي إنجيل لوقا نجد يسوع يشفي أناساً كثيرين من ساحل صور وصيدا، حيث نقرأ: "ثم نزل بهم فوقف في مكان منبسط، وهناك جماعة كبيرة من تلاميذه، وحشد كبير من الشعب من جميع اليهودية وأورشليم وساحل صور وصيدا، فقد جاءوا ليسمعوه ويبرأوا من أمراضهم." (لوقا 17:6-18).

ونجد متى الذي وردت في إنجيله هذه المداخلة اليهودية عن الخراف الضالة من بيت إسرائيل، يقول بعد ذلك على لسان يسوع قوله في المرأة التي سكبت زجاجة العطر على رأسه: "الحق أقول لكم، حيثما يُكرز بهذا الإنجيل في العالم يُخبر أيضاً بما فعلته هذه المرأة تذكاراً لها." (متى 13:26). كما أن متّى ينهي إنجيله بالقول المشهور ليسوع "فاذهبوا وتلمذوا كل الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به. وها أنذا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر." (متى 19:28-20). ومن الكلمات التي قالها يسوع لتلاميذه قبل صلبه بيومين، في إنجيل مرقس، نقرأ قوله: "سيسلمونكم إلى مجالس، وتُجلدون في مجامع، وتوقفون أمام وُلاة وملوك من أجلي شهادة لهم. وينبغي أن يُكرز أولاً بالإنجيل في جميع الأمم." (مرقس 9:13-10).

ويسوع الذي جعله متّى يقول لتلاميذه ألا يدخلوا مدينة للسامريين، قد مر بالسامرة وبشر فيها، على ما يرويه لنا إنجيل يوحنا في قصة وقوفه عند بئر يعقوب قرب مدينة سامرية تدعى سيخارة، وحواره مع امرأة سامرية انتهى بإيمان تلك المرأة وإيمان عدد كبير من السامريين. نقرأ في الإصحاح الرابع: "فآمن به عدد كبير من سامريي تلك المدينة بدافع من كلام المرأة... فلما جاءه السامريون سألوه أن يقيم بينهم، فأقام يومين. فآمن عند سماع كلامه عدد يفوق بكثرته عدد الأولين، وقالوا للمرأة: لا نؤمن بعدُ تبعاً لكلامك بل لأننا سمعناه نحن وعلمنا أنه مخلِّص العالم." (يوحنا: 39:4-42).

وفي قصة السامري الصالح، التي يضربها يسوع مثلاً لمستعميه، نجده يفضل السامري على اليهودي بسبب عمله الصالح. فقد سأله ناموسي عن من هو القريب الذي يتوجب على المرء أن يحبه بعد الله، فقال له يسوع: "كان بعضهم نازلاً من أورشليم إلى أريحا، فوقع في أيدي اللصوص، فعروه ثم انهالوا عليه بالضرب ومضوا وقد تركوه بين حي وميت. فاتفق أن أحد الكهنة كان نازلاً فمر من ذلك الطريق، فرآه فمال عنه ومضى. وكذلك جاز لاويٌ (= من خدم الهيكل) في ذلك المكان، فرآه فمال عنه ومضى. ثم مرَّ به سامري مسافر، فرآه فأشفق عليه، فمال إليه فضمد جراحه وصب عليه زيتاً وخمراً، ثم حمله على مطيته وجاء به إلى فندق واعتنى بأمره... فمن كان في رأيك من هؤلاء الرجال الثلاثة قريب الذي وقع بأيدي اللصوص؟ فقال: الذي عامله بالرحمة. فقال له يسوع: اذهب فاعمل أنت أيضاً مثل ذلك." (لوقا: 25:10-37).

وفي أكثر من قول له، يصرح يسوع بأن ملكوت الله سيصير إلى غير اليهود من الوثنيين، بسبب عنادهم وقساوة قلوبهم وعزوفهم عن سماع كلمة الله. نقرأ في إنجيل متى: "إن العشارين والبغايا يسبقونكم إلى ملكوت الله." (متى: 31:21). وأيضاً: "فهكذا يصير الآخرون (أي الوثنيين) أولين، والأولون (أي اليهود) آخرين. لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون." (متى: 16:20). وأيضاً: "لذلك أقول لكم إن ملكوت الله سيُنزع عنكم ليُسلم إلى أُمة تجعله يخرج ثماره." (متى 43:21). ونقرأ في إنجيل لوقا: "ترون في ملكوت الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب وجميع الأنبياء، وترون أنفسكم في الخارج مطرودين. وسوف يأتي الناس من المشرق والمغرب ومن الشمال والجنوب، فيجلسون على المائدة في الملكوت. فيصير من الآخِرين أولون، ومن الأولين آخِرون." (لوقا: 28:13-30).

وفي مقابل القول الذي نسبه إليه متى من أنه لم يُرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل، فإن يسوع يقول صراحةً بأن اليهود ليسوا من خرافه، عندما يخاطبهم في إنجيل يوحنا قائلاً لهم: "إن الأعمال التي أعملها باسم أبي تشهد لي، ولكنكم لاتؤمنون لأنكم لستم من خرافي، فخرافي تسمع صوتي وأعرفها فتتبعني، وأنا أهب لها الحياة الأبدية فلا تهلك أبداً." (يوحنا: 25:10-28).
يسوع واليهود:

تميزت علاقة يسوع باليهود بالعدائية والكراهية المتبادلة بين الطرفين منذ بداية رسالته. فهو لم يترك نقيصةً إلا ونسبها إليهم، وهم لم يوفروا مناسبةً لم يحاولوا فيها إهلاكه والتخلص منه. ففي أول تبشير علني له بعد أن خرج من ماء العماد، قام اليهود بأول محاولة لقتله. نقرأ في إنجيل لوقا: "فلما سمع أهل المجمع هذا الكلام، ثار ثائرهم جميعاً، فقاموا ودفعوه إلى خارج المدينة، وساقوه إلى حرف الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليلقوه عنه، ولكنه مرَّ من بينهم ومضى." (لوقا: 28:4-30). وبعد ذلك تكررت محاولاتهم ولكن دون جدوى. نقرأ في إنجيل يوحنا عما حدث بعد أن شفى يسوعاً مريضاً في يوم سبت: "فأخذ اليهود يشغبون على يسوع لأنه يفعل ذلك يوم السبت. فقال لهم يسوع: إن أبي ما يزال يعمل وأنا أيضاً أعمل. فاشتد سعي اليهود لقتله." (يوحنا: 16:5-18). وأيضاً: "وأخذ يسوع يسير بعد ذلك في الجليل، ولم يشأ أن يسير في اليهودية، لأن اليهود كانوا يريدون قتله." (يوحنا: 1:7). وأيضاً: "فأتى اليهود بحجارة ليرجموه، فقال لهم يسوع: أريتكم عدة أعمال صالحات من لدن الأب، فلأي عمل منها ترجمونني؟" (يوحنا: 31:10-32). وبعد إحيائه لعازر عقد الفريسيون والأحبار مجلساً وعزموا منذ ذلك اليوم على قتله، فصار لا يظهر بين اليهود واعتزل في بلدة تدعى أفرام هو وتلاميذه. (يوحنا: 46:11-54).

وفي المقابل كان يسوع يمطرهم بكلماته القاسية. فقد قال للفريسيين وهم النخبة المتعلمة من اليهود: "يا أولاد الأفاعي، أنى لكم أن تقولوا كلاماً طيباً وأنتم خبثاء. فمن فيض القلب ينطق اللسان." (متى: 34:12). وفي موضع آخر وصفهم بأنهم عمياناً يقودون عمياناً (أي بقية اليهود): "فدنا منه تلاميذه وقالوا له: أتعلم أن الفريسيين استاؤوا عندما سمعوا هذا الكلام؟ فأجابهم: كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع. دعوهم وشأنهم، إنهم عميان يقودون عمياناً." (متى 12:15-13).

وكان يسوع يخاطب اليهود من موقع مفارق، وبصيغ كلامية تدل على أنه لم يعتبر نفسه واحداً منهم، فيقول مثلاً: "بماذا أوصاكم موسى" ولا يقول "بماذا أوصانا موسى"، و "ألم يكتب في شريعتكم" ولا يقول "ألم يكتب في شريعتنا.". وهذه نماذج من خطابه لهم: "فأجابهم يسوع: ألم يكتب في شريعتكم...إلخ." (يوحنا: 34:10). وأيضاً "وما كان هذا إلا لتتم الآية المكتوبة في شريعتهم: أبغضوني بلا سبب." (يوحنا: 25:15). وأيضاً: "وكُتب في شريعتكم شهادة شاهدين صحيحة." (يوحنا: 17:flowers. وأيضاً: "ابتهج أبوكم إبراهيم على رجاء أن يرى يومي." (يوحنا: 56:flowers. وأيضاً: "فأجابهم: بماذا أوصاكم موسى؟... من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية." (مرقس: 3:10-5). وأيضاً: "ألم يعطكم موسى الشريعة، وما من أحد يعمل بأحكام الشريعة؟" (يوحنا: 19:7). وبالمقابل فقد قال نيقوديموس، وهو يهودي انحاز إلى جانب يسوع: "أتحكم شريعتنا على أحد قبل سماع أقواله؟" ولم يقل لهم: "أتحكم شريعتكم...إلخ." (يوحنا: 56:flowers.

واليهود هم قتلة الأنبياء والمرسلين. قال لهم يسوع: " تقولون لو عشنا زمن آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء. فأنتم تشهدون على أنفسكم بأنكم أبناء قتلة الأنبياء... أيها الحيات أولاد الأفاعي، أنى لكم أن تهربوا من عقاب جهنم؟ ها أنذا (يقول الرب) أرسل إليكم من أجل ذلك أنبياء وحكماء وكتبة، ففريقاً تقتلون وتصلبون، وفريقاً في مجامعكم تجلدون، ومن مدينة إلى مدينة تطاردون، حتى يقع عليكم كل دم زكي سُفك على الأرض..." (متى 29:23-39). وقد أثبت اليهود بعد ذلك صدق قول يسوع فيهم. فعندما حاول الوالي الروماني عبثاً إقناع اليهود بإطلاق يسوع، غسل يديه أمام الجميع وقال: "إني بريء من هذا الدم. أنتم وشأنكم فيه.". "فأجاب الشعب بأجمعه: دمه علينا وعلى أولادنا." (متى: 24:27-29).

واليهود لا يعرفون الله الحق، بل هم أبناء إبليس. قال لهم يسوع: "أنتم لاتعرفونني ولاتعرفون أبي." (يوحنا: 19:flowers. وأيضاً: "على أني ما جئت من نفسي، بل هو حقٌ الذي أرسلني. أنتم لاتعرفونه، وأما أنا فأعرفه." (يوحنا 28:7). وأيضاً: "لو كان الله أباكم لأحببتموني، لأني من الله خرجت وأتيت. إنكم أولاد أبيكم إبليس، وأنتم تريدون إتمام شهوات أبيكم. من كان من الله سمع كلام الله. فإذا كنتم لا تسمعون فلأنكم لستم من الله." (يوحنا: 41:8-47). وهم في عبادتهم لإلههم يهوه إنما يكرهون الله الحق. ولهذا قال فيهم يسوع: "وهم مع ذلك يبغضونني ويبغضون أبي. وما ذلك إلا لتتم الآية المكتوبة في شريعتهم: أبغضوني بلا سبب." (يوحنا: 24:15-25).

وقد لخص يسوع موقفه من اليهود في جملة واحدة، عندما قال في حديثه للمرأة السامرية بأن الخلاص لا يتم إلا بالتخلص من اليهود: "يا امرأة صدقيني، إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أما نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتي ساعة، وهي الآن، حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق." (يوحنا 21:4-23).

فأي شيء بعد هذا يبقى من الأقوال المنسوبة إلى يسوع بأنه لم يُرسل إلا إلى الخراف الضالَّة من بيت إسرائيل، وأنه ما جاء لينقض وإنما ليكمِّل؟

   نقلا عن موقع ايوان
 
 

xx بولس وموقفه من اليهود واليهودية! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
16/06/2008, 23:32:56
بولس مؤسس المسيحية وموقفه من اليهود واليهودية

فراس السواح

بولس الرسول هو أشهر شخصية في أسفار العهد الجديد بعد يسوع المسيح. فمعظم مادة سفر أعمال الرسل يتحدث عن نشاطه التبشيري، كما أن رسائله الأربع عشرة كانت متداولة بين المسيحيين كتابةً منذ مطلع خمسينيات القرن الأول الميلادي، أي قبل تدوين وتداول الأناجيل الرسمية الأربعة. وقد وضعت هذه الرسائل الخطوط العامة للعقيدة المسيحية، وبدونها ما كان للمسيحية أن توجد، أو أنها وجدت بطريقة مختلفة تماماً عما نعرفه اليوم. وُلد نحو عام 10 أو 15م في مدينة طرسوس بمنطقة كليليكيا، بجنوب آسيا الصغرى من أسرة يهودية تحمل المواطنية الرومانية. وكانت لغته الأم هي اليونانية، ولكنه كان يتقن الآرامية لغة التعامل اليومي في سورية وفلسطين إبَّان ذلك العصر. وهو يصف نفسه في الرسائل بأنه يهودي من سبط بنيامين، وبأنه كان من أتباع الفرقة الفريسية (رومة 1:11، 2 كورنثة 22:11، فيليبي 5:3). ويضيف سفر أعمال الرسل على ذلك بأنه درس الدين على يد جمالائيل وهو واحد من أشهر معلمي الفرقة الفريسية خلال النصف الأول من القرن الأول قبل الميلاد (أعمال 3:22).

هذا التعليم الديني الذي تلقاه بولس دفعه في مطلع حياته إلى المساهمة في اضطهاد المسيحيين الأوائل. وقد كان حاضراً عندما سُفك دم استيفانوس أول شهيد مسيحي على يد اليهود في أورشليم، وقدم العون إلى من شاركوا في رجمه بالحجارة، بينما كان استفانوس يهجو اليهود وهو يتلقى ضرباتهم بأقذع الألفاظ: "يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب والآذان. أنتم دائماً تقاومون الروح القدس. كما كان آباؤكم كذلك أنتم. أي الأنبياء لم يضطهده آباؤكم؟ وقد قتلوا الذين سبقوا فأنبأوا بمجيء البار الذي أنتم الآن صرتم مسلميه وقاتليه (= يسوع)، الذين أخذتم الناموس من أيدي الملائكة ولم تحفظوه... فصاحوا بصوت عظيم وسدوا آذانهم وهجموا عليه بنفس واحدة، وأخرجوه خارج المدينة ورجموه. والشهود خلعوا ثيابهم عند رجلي شاب يقال له شاؤل (وهو الاسم العبري لبولس)، فكانوا يرجمون استفانوس وهو يدعو ويقول أيها الرب يسوع اقبل روحي... وكان شاؤل راضياً بقتله. وحدث في ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التي في أورشليم... وأما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجرر رجالاً ونساءً ويسلمهم إلى السجن." (أعمال 51:17-61 و 1:8-3).

وقد تحدث بولس في رسائله عن هذه الفترة من حياته: "فإنكم سمعتم بسيرتي قبلاً في الديانة اليهودية أني كنتُ أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها، وأتقدم أكثر أترابي من بني قومي في ملة اليهود وأفوقهم حمية على سنن آبائي." (غلاطية 13:1-14). أما كيف حدث التحول الحاسم في حياة بولس/ شاؤل، فيحدثنا عن ذلك سفر أعمال الرسل 9. فقد عهد رئيس الكهنة في أورشليم إلى بولس مهمة الذهاب إلى دمشق من أجل تطهير الجماعات اليهودية المقيمة فيها من المسيحيين. وقبل الوصول إلى دمشق أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض خوفاً، ثم سمع صوتاً من مصدر البرق والنور يناديه قائلاً: شاؤل، شاؤل، لماذا تضطهدني؟ فقال بولس: من أنت ياسيد؟ فقال الصوت: أنا يسوع الذي أنت تضطهده. فقال بولس وهو يرتعد: ياسيد، ماذا تريد مني أن أفعل؟ فقال له الصوت: قم وادخل دمشق، وهناك يقال لك ماذا ينبغي أن تفعل. وعندما نهض بولس اكتشف أنه قد فقد البصر، فاقتاده المسافرون معه في القافلة وأدخلوه دمشق، وهناك سكن بيتاً في شارع يقال له المستقيم (سوق مدحت باشا حالياً)، وكان لا يأكل ولا يشرب. وكان في دمشق تلميذ مسيحي اسمه حنانيا، فجاءه وحي من الرب أن يذهب إلى مسكن بولس ويضع يده على عينيه فيبصر. فأتى حنانيا ووضع يده على عيني بولس فأبصر في الحال، وقام فتعمد بالماء على يدي حنانيا، ثم أكل فتقوى وراح في اليوم التالي يكرز بالمسيح. ولكن اليهود تشاوروا ليقتلوه، وراحوا يراقبون بوابات المدينة نهاراً وليلاً ليلقوا القبض عليه، ولكن التلاميذ أخذوه ليلاً وأصعدوه على السور ثم دلوه إلى الخارج في سلة.

بعد هربه من يهود دمشق، توجه بولس إلى الصحراء العربية حيث لبث هناك ثلاث سنوات يتأمل في مغزى حياة يسوع وموته وبعثه. وفي غمرة تأملاته خاض غمار تجربة صوفية هزت كيانه وغَيَّرته إلى الأبد، حيث تأكد له أن يسوع المسيح قد اختاره ليكون رسوله إلى الوثنيين ليكرز بينهم ببشارة الإنجيل، فاعتبر نفسه الرسول الثالث عشر الذي لم يلتقِ بيسوع حسب الجسد ولكنه عرفه بالروح، ومنه تلقى مباشرة المهام الرسولية. وبعد زيارة قصيرة إلى أورشليم التقى خلالها بالرسولين بطرس ويوحنا، انطلق للتبشير في العالم اليوناني مبتدئاً بأنطاكية العاصمة الثقافية اليونانية الثانية بعد الإسكندرية. وبعد مسيرة تبشيرية حافلة تعرض خلالها للجوع والعطش والبرد والغرق في البحر والسجن والرجم بالحجارة، استشهد في روما نحو عام 67م خلال حملة الاضطهاد الواسعة للمسيحيين التي جرت في عهد الإمبراطور نيرون.

فما الذي قاله بولس مؤسس المسيحية في اليهود واليهودية وشريعة العهد القديم؟

لقد فهم بولس تمام الفهم رسالة يسوع على أنها قطيعة كاملة مع التاريخ الديني اليهودي، وتركزت تعاليمه على الفصل التام بين العهد القديم الذي يدعوه بشريعة الحرف، والعهد الجديد الذي يدعوه بشريعة الروح: "إذا كان أحد في المسيح، فإنه خَلْق جديد. قد زال كل شيء قديم، وهاهو كل شيء جديد." (2 كورنثة 17:5). "تلك ثقتنا بالمسيح لدى الله... فهو الذي مكننا من خدمة العهد الجديد، عهد الروح لا عهد الحرف. لأن الحرف يميت والروح يُحيي." (2 كورنثة 4:3-6). لقد كانت الشريعة بمثابة لعنة حررنا منها يسوع المسيح بموته على الصليب: "المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب ملعون كل من عُلّق على خشبة. لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح." (غلاطية 13:3-14). "ونحن نعلم أن الإنسان لا يُبرَّر لأنه يعمل بأحكام الشريعة، بل لأن له الإيمان بيسوع المسيح. بالشريعة مت عن الشريعة لأحيا في الله... وإذا كان لي حياة بشرية فإنها في الإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي... ولو كان بالشريعة برُّ الإنسان لكان موت المسيح عبثاً." (غلاطية 16:2-21).

ويتابع بولس فكرة شريعة الروح الجديدة التي حررت من شريعة الحرف القديمة في مواضع أخرى من رسائله: "فليس بعد الآن من هلاك للذين هم في يسوع المسيح، لأن شريعة الروح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح قد حررتني من شريعة الموت والخطيئة. فالذي لم تستطعه الشريعة والجسد قد أوهنها، حققه الله بإرسال ابنه في جسد يشبه جسدنا الخاطيء كفارة للخطيئة، فحُكم على الخطيئة بالجسد ليتم ما تقتضيه منا الشريعة، نحن الذين لايسلكون سبيل الجسد بل سبيل الروح." (روما: 1:8-2). "لم تتلقوا روحاً يستعبدكم ويردكم إلى الخوف، بل روحاً يجعلكم أبناءً وبه ننادي أبتاه... فإذا كنا أبناء الله فنحن الورثة، ورثة الله وشركاء في المسيح في الميراث (روما 15:8-17). "أما الآن وقد متنا عما كان يعتقلنا، فقد حُللنا من الشريعة وأصبحنا نعمل في نظام الروح الجديد لا في نظام الحرف القديم." (روما 6:7-7). والمسيحيون اليهود الذين يصرون على المحافظة على أحكام شريعة العهد القديم قد انقطعوا في الواقع عن المسيح لأنهم رفضوا الحرية التي قدمها لهم: "إن المسيح قد حررنا لنكون أحراراً. فاثبتوا إذن ولا تعودوا إلى نير العبودية. هأنذا بولس أقول لكم: إذا اختتنتم فلن يفيدكم المسيح شيئاً. وأشهد مرة أخرى لكل مُختتنٍ بأنه ملزم أن يعمل بالشريعة جمعاء. لقد انقطعتم عن المسيح يا أيها الذين يلتمسون البر من الشريعة." (غلاطية 1:5-4).

والشريعة اليهودية بما تفرضه من أحمال تفوق طاقة أي إنسان إنما تقود في النهاية إلى المعصية: "فما الشريعة إلا سبيل إلى معرفة الخطيئة. أما الآن فقد ظهر بر الله بمعزل عن الشريعة، تشهد له الشريعة والأنبياء؛ هو بر الله وطريقهُ الإيمان بيسوع المسيح." (روما 20:3-21). "فالوعد الذي تلقاه إبراهيم بأن يرث العالم لا يعود إلى الشريعة بل إلى بر الإيمان. فلو كان الورثة أهل الشريعة لأُبطل الإيمان ونُقض الوعد. لأن الشريعة تورث الغضب، وحيث لا تكون شريعة لا تكون معصية." (روما 13:4-14). كما أن الشريعة تورث اللعنة، وذلك لتقصير أهل الشريعة عن الوفاء بالتزاماتها: "إن دعاة العمل بأحكام الشريعة لُعنوا جميعاً. فقد ورد في الكتاب: ملعون من لم يثابر على العمل بجميع ما كتب في سفر الشريعة... فالمسيح قد افتدانا من لعنة الشريعة." (غلاطية 10:3-13). لقد أغلق كتاب العهد القديم كل بوابات الرجاء حتى ظهور المسيح: "لو أُعطيت شريعة بوسعها أن تحيي لصح أن البر يُحصل عليه بالشريعة. ولكن الكتاب أغلق كل شيء، وجعله في حكم الخطيئة، ليوهب الوعد للمؤمنين لإيمانهم بيسوع المسح." (غلاطية 21:3-22).

ويشبِّه بولس أهل الشريعة بالقاصرين الذين يحتاجون إلى مؤدب يشرف عليهم، أما المسيحيين فقد شبّوا على الطوق وليسوا بحاجة إلى مؤدب: "ولكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقاً علينا إلى أن يعلَن الإيمان العتيد. إذاً قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان. ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعدُ تحت مؤدب، لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع. فإذا كنتم للمسيح فأنتم إذن نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثةٌ." (غلاطية 23:3-29).

وسيراً على سنَّة يسوع، فقد حلل بولس كل الأطعمة، فلا يوجد بعد اليوم ما هو محرم على الأكل وما هو محلل: "وأما الأكل من ذبائح الأوثان، فنحن نعلم أن الوثن ليس بشيء في العالم، وأن لا إله إلا الله الأحد... ولكن المعرفة ليست لجميع الناس، فبعضهم جرت لهم العادة في الأوثان أن يأكلوا الذبائح كأنها حقاً ذبائح للأوثان فيتدنس ضميرهم لضعفه. ما من طعام يقربنا إلى الله، فإن لم نأكل لا نخسر شيئاً، وإن أكلنا لا نربح شيئاً." (1 كورنثة 1:8-8). وأيضاً: "كل شيء حلال، ولكن ليس كل شيء بنافع... كلوا من اللحم كل ما يباع في الأسواق، ولا تسألوا عن شيء تورعاً، لأن الأرض وما عليها للرب." (1 كورنثة 23:10-25). وأيضاً: "فكل ما خلق الله حسن. فما من طعام نجس إذا تناوله الإنسان وهو حامد، لأن كلام الله والصلاة يقدسانه." (1 تيموثاوس 3:4-4).

وقد تحدث بولس عن اليهود بسخرية وتهكم، واستخدم في وصفهم تعابير مقذعة: "هنالك جماعة كثيرة، وقد كلمتكم عنها مراراً وسأكلمكم عنها اليوم باكياً، تسير سيرة أعداء الصليب، عاقبتهم الهلاك، وإلههم بطنهم (إشارةً إلى تحريمات الطعام)، ومجدهم عورتهم (إشارةً تهكمية إلى الختان)، همهم أمور الأرض. أما نحن فموطننا في السماوات، ومنها ننتظر مجيء المخلّص يسوع المسيح الذي يبدل جسدنا الحقير فيجعله على صورة جسده المجيد." (فيليبي 18:3-21). وأيضاً: احذروا الكلاب (اليهود الذين يحاولون فرض عاداتهم على المسيحيين)[1]، احذروا عمال السوء، احذروا ذوي الجَب (أهل الختان). فإنما نحن ذوو الختان لأن عبادتنا بروح الله، وفخرنا بالمسيح يسوع." (فيليبي 1:3-3). وهو يسخر من نواهي الشريعة اليهودية التي لا تني عن تكرار نواهي مثل لا تأخذ، لا تمس، لا تذق...إلخ: "فأما وقد متُّم مع المسيح متخلين عن أركان هذا العالم، فما بالكم لو كنتم عائشين في العالم تخضعون لمثل هذه النواهي: لا تذق، لا تمس، وتلك الأشياء تؤول كلها بالاستعمال إلى الزوال." (كولوسي 20:2-21).

وبولس يعكس معنى قصة زوجة إبراهيم الحرة سارة وزوجته الأخرى هاجر الجارية. فاليهود هم العبيد أولاد الجارية، أما المسيحيون فهم الأحرار الذين ولدوا روحياً من الحرة: "هاتين المرأتين تمثلان العهدين، إحداهما هاجر من طور سيناء تلد للعبودية، وتعني أورشليم هذا الدهر، فإنما هي وبنوها في العبودية، أما أورشليم العليا (= السماوية) فحرة، وهي أمنا." (غلاطية 24:4-26).

وهنالك مقاطع في رسائل بولس لا يمكن فهمها إلا على ضوء المفاهيم الغنوصية عن وجود إله أعلى هو الأب النوراني الذي أرسل يسوع من أجل خلاص البشرية، وإله أدنى منه مرتبةً هو الإله الديميرج، أي خالق هذا العالم الناقص والمليء بالشر، والذي يطابق الغنوصيون بينه وبين إله العهد القديم يهوه (راجع مقالتينا المنشورتين سابقاً عن الغنوصية والأسطورة الغنوصية)، ويدعونه بالأركون الأعظم أي الحاكم الأعظم، ويدعون معاونيه بالأراكنة، أو الأركان وفق الترجمة العربية للعهد الجديد. وقد كانت البشرية واقعة تحت سلطان هذا الإله إلى أن خلصها يسوع المسيح بموته على الصليب.

لذلك يقول بولس إن اليهود الذين تحولوا إلى المسيحية، وهو واحد منهم، كانوا أشبه بالقاصرين الواقعين تحت وصاية أراكنة، أو أركان، هذا العالم، وهم آلهة مزيفة ليسوا بآلهة حقاً، ولكن يسوع افتداهم وأدخلهم سن الرشد لكي يعرفوا الإله الحق: "حين كنا قاصرين، كنا عبيداً لأركان هذا العالم؛ فلما تم الزمان أرسل الله ابنه مولوداً لامرأة، مولوداً في حكم الشريعة ليفتدي الذين هم في حكم الشريعة، فنحظى بالتبني. والدليل على كونكم أبناء الله، أن الله أرسل روح ابنه إلى قلوبنا، الروح الذي ينادي يا أبتاه. فلستَ بعد الآن عبداً بل أنت ابن، وإذا كنت ابناً فأنت وارث بفضل الله. لما كنتم تجهلون الله، كنتم عبيداً لآلهة ليست آلهة حقاً. أما الآن وقد عرفتم الله، بل عرفكم الله، فكيف تعودون إلى تلك الأركان الضعيفة الحقيرة وتريدون أن تكونوا لها عبيداً كما كنتم سابقاً، تراعون الأيام والشهور والفصول والسنين (إشارةً إلى السبت وأعياد اليهود الدينية)؟ إني أخشى أن أكون قد تعبت عبثاً من أجلكم." (غلاطية 3:4-11).

وفي الرسالة الثانية إلى أهالي كورنثة هنالك إشارة إلى "إله هذا الدهر"، وهذه العبارة تدل في الفكر الغنوصي على الأركون الأعظم، وذلك استناداً إلى سفر إشعيا الذي أطلق هذا اللقب على الإله يهوه: "أما عرفت، ألم تسمع؟ إله الدهر، الرب خالق أطراف الأرض، لا يكل ولا يعيا." (إشعيا 28:40). وبولس يرى أن إله هذا الدهر هو إله الهالكين من اليهود الذين رفضوا يد يسوع التي امتدت لتخلصهم: "ولكن إن كان إنجلينا مكتوماً، فإنه مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح." (2 كورنثة 3:4-4).

خلاصة:

في هذه المقالة، والتي سبقتها (يسوع الثائر وموقفه من اليهود واليهودية)، عن موقف يسوع وبولس من اليهود واليهودية، جعلنا نصوص العهد الجديد نفسها ترد على المداخلات اليهودية المقحمة على كتاب العهد الجديد والغريبة عليه. فبولس قد أحدث قطيعة مع التاريخ الديني اليهودي لا يمكن وصلها، لأنه فهم حق الفهم أن يسوع قد جاء لينقض لا ليكمل، وأن رسالته جديدة كل الجدة عن رسالة العهد القديم، ولا يمكن اعتبارها بحال من الأحوال حركة إصلاحية يهودية ميزت نفسها تدريجياً حتى شبت على الطوق واستقلت. لقد كانت منذ البدء حركة مستقلة كما أراد لها يسوع عندما قال: "جئت لألقي على الأرض ناراً وكم أرجو أن تكون قد اشتعلت... أو تظنون أني جئت لألقي السلام على الأرض؟ أقول لكم لا، بل الخلاف." (لوقا: 49:12-50). لقد أحدث يسوع شرخاً في المجتمع اليهودي والمجتمع الوثني على السواء، انطلاقاً من قناعته بأن الجديد لا يترسخ قبل تهديم كامل القديم: "فمنذ اليوم يكون في بيت واحد خمسة، فيخالف ثلاثة منهم اثنين، واثنان ثلاثة. يخالف الأب ابنه والابن أباه، والأم بنتها والبنت أمها، والحماة كنتها والكنة حماتها." (لوقا 52:12-53).

لقد تخللت رسالة يسوع منذ البدء المجتمع كعاصفة تقتلع القديم لتزرع الجديد، ومنذ البدء ميز أتباعه أنفسهم عن محيطهم الثقافي، مشكلين النواة الأولى لواحدة من أهم الحركات الروحية في تاريخ الإنسانية. ولكن اليهودية قد أفلحت في زرع شوكة في خاصرة المسيحية مع انطلاقتها الكبيرة، عندما تم في أواخر القرن الرابع الميلادي الجمع بين كتاب التوارة العبرانية وأسفار العهد الجديد في كتاب واحد هو الكتاب المقدس المسيحي.

-----------------------------

1- حول هذا الشرح راجع حاشية الترجمة الكاثوليكية الجديدة على هذه الآية- منشورات المطبعة الكاثوليكية، بيروت 1969.

 عن موقع "الأوان"

xx اوغاريت والعهد القديم - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
25/05/2008, 23:24:43
أوغاريت والعهد القديم ـ فراس سواح 
   حتى أواسط القرن التاسع عشر كان كتاب العهد القديم (التوراة العبرانية) يُعتبر بمثابة الميراث الأدبي الوحيد الذي خلّفته حضارة آسيا الغربية، والمصدر الوحيد لدراسة تاريخ هذه المنطقة وأديانها ومعتقداتها. ولكن الثورة الأركيولوجية التي ابتدأت منذ أواسط القرن التاسع عشر باكتشاف الحضارة الآشورية ثم البابلية فالسومرية، وما أفاضت به هذه الاكتشافات من مكتبات وأرشيفات تحتوي على نصوص أدبية وميثولوجية وطقسية وتاريخية، قد عكست الصورة القديمة، وتحول كتاب التوارة من ظاهرة مشرقية فريدة إلى نتاج ثانوي ومتأخر لثقافة الشرق القديم، وأخذت الدراسات المقارنة في الغرب تتابع أصول الكثير من الأفكار الدينية 
والعناصر الأدبية في كتاب التوراة، وتعقد الصلة بينها وبين نتاجات الثقافة الرافدينية. ولكن اكتشاف نصوص مدينة أوغاريت قد أظهر الخلفية الكنعانية المباشرة لكتاب التوارة، والمصدر الأكثر قرباً لإلهام محرري أسفاره، سواء من حيث الأساليب الأدبية أم من حيث الأفكار الدينية المستعارة. وسنبدأ فيما يلي بتقصي تشابه الأساليب الأدبية بين هذين الموروثين ولا سيما فيما يتعلق بالمقاطع الشعرية في التوراة، ثم ننتقل بعدها إلى الاستعارات الدينية، وذلك من خلال أمثلة منتقاة تفي بالغرض.
إن العنصر الأساسي في الأسلوب الشعري الأوغاريتي يقوم على مبدأ التوازي حيث يتم توسيع فكرة واحدة من خلال التكرار وإعادة الصياغة أو التضاد. وبما أن الوزن الشعري والقافية مفقودان في هذا الشعر، فإن أسلوب التوازي هو الذي يعطيه الإيقاع والنغم. لنقرأ على سبيل المثال المقطع التالي من أسطورة بعل:
دعني أخبرك أيها الأمير بعل،
دعني أكرر يا راكب الغيوم.
نلاحظ هنا كيف تم تطوير الفكرة الواردة في البيت الأول عن طريق التكرار وإعادة الصياغة. فقد استُبدلت جملة «دعني أخبرك» في السطر الأول بجملة «دعني أكرر» في السطر الثاني. كما استبدلت جملة «أيها الأمير بعل» في السطر الأول بجملة: «يا راكب الغيوم» في السطر الثاني. أي إن مضمون السطر الأول قد أعيدت صياغته بشكل مختلف في السطر الثاني مع الحفاظ على المؤدى والمعنى. ثم يتابع الشاعر الأوغاريتي فيقدم لنا وحدة من ثلاثة أبيات بدل البيتين:
هو ذا عدوك يا بعل،
هو ذا عدوك الذي سوف تقتله،
ها أعداؤك سوف تفنيهم.
ثم يختم مقطعه بوحدة من بيتين:
ولسوف تفوز بالملك إلى الأبد،
وتبسط سيادتك على الكل دوماً.
بعد ذلك يأتي الشاعر التوراتي في سفر المزامير ليستعير الشكل والمضمون بعد استبدال اسم بعل باسم يهوه:
لأنه هو ذا أعداؤك يا رب،
هو ذا أعداؤك يبيدون،
كل فاعلي الإثم يتبددون. (المزمور، 9:9)
وأيضاً:
مُلكك مُلك كل الدهور
وسلطانك في كل دور فدور (المزمور 145: 13)
ولنتابع هذا الأسلوب في عدد آخر من المقاطع الأوغاريتية
* ليس لبعل بيت كبقية الآلهة،
ولا هيكل كأبناء عشيرة.
* أقيمي في الأرض وئاماً،
وابذري في التراب محبة،
واسكبي السلام في كبد الأرض.
* بعد ذلك جاء الظافر بعل،
وجاءت عناة العذراء،
وكرما الربة عشيرة البحر،
وتوسلا إلى خالقة الآلهة.
* والآن تريد أن تسحق لوياثان الحية الهاربة.
الآن تريد أن تجهز على الحية الملتوية،
شالياط العتبة ذات الرؤوس السبعة.
* كيف يرتعد بعل ارتعاداً
وكيف تزول قوة هدد
* أي عدو وقف في وجه بعل؟
أي ضرر أصاب راكب الغيوم؟
ألم أسحق «يم» حبيب إيل؟
ألم أقضِ على «نهر» الإله العظيم؟
* بينما هو يبكي غلبه النوم.
بينما دموعه تسيل أخذه السبات.
أخذه السبات بينما كان مستلقياً.
عندها في حلمه رأي إيل ينزل.
رأى أبا البشر يقترب.
* اطلب الحياة يا أقهات.
اطلب أيها الفتى البطل.
اطلب الحياة أعطيكها،
والخلود فأهبه لك.
إن أسلوب التوازي والتكرار هذا صار فيما بعد السمة الغالبة على المقاطع الشعرية في التوراة، ولا سيما تلك التي يُعتقد بقدمها وأسبقيتها على عملية التحرير الأخيرة التي ابتدأت منذ القرن الخامس قبل الميلاد. وهذه بعض الأمثلة المنتقاة.
نقرأ في أنشودة مريم، في سفر الخروج 15:
- يمينك يا رب معتزة بالقدرة
يمينك يا رب تحطم العدو
وبكثرة عظمتك تهدم مقاوميك
- من مثلك بين الآلهة يا رب
من مثلك مخوف بين القدوسين
- حينئذٍ يندهش أمراء أدوم
أقوياء مؤاب تأخذهم الرجفة
- حتى يَعبر شعبك يا رب
حتى يعبر الشعب الذي اقتنيته
تجيء بهم وتغرسهم في جبل ميراثك
المكان الذي صنعته يا رب لسكنك
المَقْدِس الذي هيأَته يداك يا رب
ونقرأ في سفر العدد 23 و 24:
- كيف ألعن من لم يلعنه الله
وكيف أشتم من لم يشتمه الرب
- وحي بلعام بن بعور
وحي الرجل المفتوح العينين
وحي الذي يسمع أقوال الله
ونقرأ في سفر التثنية 32:
- أنصتي أيتها السماوات فأتكلم
ولتسمع الأرض أقوال فمي
يهطل كالمطر تعليمي
ويقطر كالندى كلامي
كالطل على الكلأ
وكالوابل على العشب
من هذه الاستعارات الأسلوبية ننتقل إلى الاستعارات الميثولوجية والدينية، وهي كثيرة، مركزين بشكل خاص على المزمور 104 والمزمور 29.
يركز المزمور 104 على الأفكار المتعلقة بالخلق، ويحتفل بالتكوين وأعمال الرب الخلاقة بأسلوب شعري، مثلما تحدث الإصحاح الأول من سفر التكوين عن عجائب الخلق بأسلوب نثري. وقد لفت هذا المزمور نظر الباحثين منذ مدة طويلة، وأقاموا المقارنات بينه وبين الأدب الكلاسيكي ثم بينه وبين الأدب الرافديني. وفي عام 1905 قام عالم المصريات الأميركي الشهير ج.هـ بريستد بلفت النظر إلى الشبه القريب بين المزمور 104 وترتيلة الشمس (الطويلة) للفرعون أمنحوتب الرابع (أخناتون)، واعتبر أن الترتيلة المصرية تكشف عن أصل المزمور 104 في إعلائها لشأن الإله باعتباره صاحب الخلق الطيب والحسن. وإليكم هذه المقاطع المختارة من الترتيلتين، علماً بأن أبيات المزمور التوراتي ترد هنا في غير ترتيبها الأصلي:
ترتيلة أخناتون
 المزمور 104
العالم في ظلام كأنه الموت.
 تجعل ظلمة فيصير ليل
الأسود تخرج من عرينها،
 فيه تدب كل حيوانات الوعر.
والحيات من جحورها،
 الأشبال تزمجر لتختطف
والظلام يسود.
 وتلتمس من الرب طعامها،
وعندما تشرق في الأفق،
 تشرق الشمس فتجتمع في مآويها وتربض.
يتلاشى الظلام،
 الإنسان يخرج إلى عمله وشغله.
وكل يذهب إلى عمله.
 تشبع أشجار الرب، أرز لبنان
تزهر كل الأشجار والنباتات،
 حيث تعشعش هناك العصافير.
والطيور ترفرف في أعشاشها،
 الجبال العالية للوعول، الصخور ملجأ للوبار.
والخرفان ترقص وتثب على أرجلها.
 هذا البحر الكبير الواسع الأطراف؛
السفن تمخر عباب الماء،
 هناك دبابات بلا عدد، صغار مع كبار،
والأسماك في النهر تقفز أمامك،
 هناك تجري السفن.
وأشعتك في وسط البحر العظيم.
 ما أعظم أعمالك يا رب!
كم هي متعددة أعمالك!
 كلها بحكمة صُنعت.
لقد خلقتَ الأرض وفقاً لمشيئتك،
ملآنة الأرض بغناك.
وكل ما عليها من بشر وحيوان.
 الساقي الجبال من علاليه،
لقد خلقت نيلاً في السماء،
 من ثمر أعمالك تشبع الأرض.
يرسل الماء على المخلوقات
 المنبت عشباً للبهائم،
فيسقي حقولهم،
 وخضرة لخدمة الإنسان.
ويجعل الجبال تفيض سيولاً.
 صنع قمراً للمواقيت. الشمس تعرف مغربها.
أنت الذي خلق الفصول،
 المخلوقات كلها إياك ترتجي رزقها،
وخلقت السماء فيها تغرب وتُشرق.
 تفتح يدك فتشبع خبزاً،
 عندما تسطع على المخلوقات تحيا،
 تحجب وجهك فترتاع،
 وعندما تغرب عنها تموت
 تنزع أرواحها فتموت.
 على الرغم من وجود هذا التشابه بين الترتيلة التوراتية والترتيلة المصرية الأخناتونية، إلا أن لغة شاعر المزامير تشف عن تشابهات كبيرة مع لغة نصوص بعل الأوغاريتية. فصاحب المزمور يصف إلهه يهوه بأنه «راكب السحاب»: «الجاعل السحاب مركبته، الماشي على أجنحة الريح» (البيت 3). وهذا الوصف هو من الأوصاف الرئيسية للإله بعل، ويتكرر مرات عديدة في نصوص بعل: «إن الظافر بعل حي، إن راكب السحاب موجود» (النص الحادي عشر- العمود الأول). وفي المزمور نقرأ عن النار واللهب باعتبارهما تجسيداً لخدم الرب: «الصانع ملائكته رياحاً، وخدامه ناراً ملتهبة» (البيت 4). أما النص الأوغاريتي فيتحدث عن استخدام النار واللهب في تحضير الفضة والذهب لبناء بيت لبعل: «وها يوم خامس وسادس وألسنة اللهيب في وسط الهيكل. ولكن في اليوم السابع خمدت النار في القصر، وألسنة اللهيب في الهيكل، والفضة صُبت ألوحاً، والذهب صب لَبنات» (النص الرابع- العمود السادس). في البيت 16 يتحدث المزمور عن أرز لبنان. وفي النص الأوغاريتي يجري استخدام أخشاب لبنان في بناء بيت لبعل (النص الرابع- العمود السادس).
وفي البيت 7 من المزمور نقرأ عن الرعد باعتباره صوت يهوه: «من صوت رعدك تفر». وفي النص الأوغاريتي يتكرر وصف صوت بعل الراعد: «سيفتح بعل كوة في السحاب، فيعطي بعل صوته القدوس. عندما يردد بعل كلماته ترتج الأرض والجبال تُروَّع. ترتجف الأعداء، أعداء بعل فيهربون» (النص الرابع- العمود السابع). ويصف المزمور في الأبيات من 10 إلى 13 يهوه بأنه ساقي الأرض بمطره: «المفجر عيوناً في الأودية، بين الجبال تجري تسقي كل حيوان البر... الساقي الجبال من علاليه، من ثمر أعمالك تشبع الأرض». وفي النص الأوغاريتي نجد أن بعل هو الذي يسقي الأرض بمطره وثلجه: «الآن يكثر بعل من مطره، البعل يكثر من إنزال ثلجه. يعطي صوته في السحب، ويرسل ضياءه إلى الأرض بروقاً» (النص الرابع- العمود الخامس). ويصف البيتان 14 و 15 يهوه بأنه المسؤول عن إنبات الزرع: «المنبت عشباً للبهائم وخضرة لخدمة الإنسان، لإخراج خبز من الأرض». وفي نصوص بعل تتشقق أخاديد الأرض لغياب بعل، وعند عودته يحيا كل نبات: «لقد تشققت أخاديد الحقول أيتها الشمس، أين الظافر بعل، أين الأمير سيد الأرض» (النص السادس- العمود الرابع). وعندما يعود بعل يرى الإله إيل حلماً: «في حلم الإله اللطيف، إله الرحمة، كانت السماء تمطر زيتاً والوديان تجري بالعسل» (النص السادس- العمود الثالث). فتطير الإلهة عناة لتعلن للجميع أن بعل سيعود إلى الأرض لينقذ حياة النبات: «وأنت أيتها البتول عناة طيري فوق الهضاب، ونادي: إن الظافر بعل حي، وإن راكب السحاب موجود، وإن البعل سيعود إلى الأرض حتى يحيي كل موات، وينجو النبات على يدي بعل المحارب» (النص الحادي عشر- العمود الأول).
ولدينا في هذا المزمور أيضاً مقطع لا يمكن فهمه إلا على ضوء ترويض الإله بعل للإله يم الذي يمثل المياه الهائجة التي تهدد نظام العالم. والإله يهوه هنا قد سيطر أيضاً على المياه وجعل لها تخماً لا تتعداه ولا ترجع لتغطي الأرض: «المؤسس الأرض على قواعدها فلا تتزعزع إلى الدهر والأبد. كسَوْتها الغمر كثوب. فوق الجبال تقف المياه، من انتهارك تهرب، من صوت رعدك تفر تصعد إلى الجبال، تنزل إلى البقاع إلى الموضع الذي أسستَه لها، وضعتَ لها تخماً لا تتعداه، لا ترجع لتغطي الأرض» (الأبيات من 5 إلى9).
وفي مواضع أخرى من النص التوراتي، خارج المزمور 104، نجد أصداء واضحة لصراع بعل مع الإله يم أو مع وكلائه من التنانين البحرية. نقرأ في سفر أشعيا 1:27، وفي العمود الأول من النص الخامس من نصوص بعل ما يلي:
أشعيا 27: 1
 النص الأوغاريتي
 في ذلك اليوم يعاقب الرب
 والآن تريد أن تسحق لوتان
 بسيفه القاسي العظيم الشديد
 الحية الهاربة،
 لوياتان الحية الهاربة،
 الآن تريد أن تُجهز على الحية المتحوية،
 لوياتان الحية المتحوية،
 شالياط العتية ذات الرؤوس السبعة
 ويقتل التنين الذي في البحر.
  ونقرأ في المزمور 74: 13 أيضاً عن صراع يهوه مع لواياتان ومع قوى مائية أخرى قبل مباشرته عمل الخلق، مثلما صرع بعل يم كمقدمة لنشاطاته في تنظيم العالم: «أنت شققت البحر بقوتك، كسرت رؤوس التنانين على المياه. أنت رضضت رؤوس لوياتان، جعلته طعاماً للشعب لأهل البرية. أنت فجرت عيناً وسيلاً. لك النهار ولك الليل أيضاً. أنت هيأت النور والشمس. أنت نصبت كل تخوم الأرض. الصيف والشتاء أنت خلقتهما». وفي المزمور 89 نقرأ أيضاً عن قيام يهوه بإخضاع البحر وقتل تنينه المدعو هنا «رهب» وهو اسم آخر للتنين لواياتان، وذلك قبل قيامه بتنظيم العالم: «أنت متسلط على كبرياء البحر؛ عند ارتفاع لججه أنت تسكنها. أنت سحقت رهب مثل القتيل. بذراع قوتك بددت أعداءك. لك السماوات ولك الأرض أيضاً. المسكونة وملؤها أنت أسستهما، الشمال والجنوب أنت خلقتهما». وفي سفر أيوب يُدعى «رهب» هذا بالحية الهاربة أيضاً: «بقوته يزعج البحر، وبفهمه يسحق رهب. بنفحته السماوات مسفرة، ويداه أبدأتا الحية الهاربة».
إذا كان المزمور 104 يشف عن استعارات واضحة من الأدب الكنعاني، فإن المزمور 29 يبدو بقضه وقضيضه ترتيلة كنعانية للإله بعل جرت استعارتها كاملة بعد تغيير اسم بعل إلى الاسم يهوه، أو الرب كما يدعوه النص التوراتي نظراً لإحجام محرري الكتاب عن لفظ اسم يهوه تهيباً ومخافةً. والمزمور عبارة عن ترتيلة شديدة الواقع والتأثير موضوعها مدح الإله وإظهار عظمته وقوته من خلال التوكيد على صلته بالبرق والرعد والعاصفة المطرية. وقد وردت المطابقة بين الرعد وصوت الرب سبع مرات، وهو الصوت الذي يهز الأرض ويستثير الروع في قلوب سامعيه. تتألف بنية النص من ثلاثة أفكار تتطابق مع أفكار أسطورة بعل. ففي البداية يتسلط يهوه من خلال صوته الراعد على المياه فيخضعها ويطامن من لججها. ثم يُسمع صوته الذي يقدح لهباً وناراً، كنايةً عن البرق، للأحياء والجمادات فتهابه وتخشاه وتسبح بمجده، وفي النهاية يجلس على كرسيه ملكاً إلى الأبد في هيكله، مثما اعتلى بعل عرشه في البيت الذي بناه عقب تغلبه على الإله يم:
صوت الرب على المياه، إله المجد أرعد.
الرب فوق المياه الكثيرة.
صوت الرب بالقوة، صوت الرب بالجلال.
صوت الرب مكسر الأرز، ويكسر أرز لبنان.
صوت الرب يقدح لهب نار.
صوت الرب يزلزل البرية، برية قادش،
يولد الأيل ويكشف الوعور،
وفي هيكله الكل قائل: مجدٌ.
الرب بالطوفان جلس،
ويجلس الرب ملكاً إلى الأبد.
يميل معظم الباحثين اليوم إلى القول بأن محرر سفر المزامير قد استعار هذا النص من ترتيلة كنعانية معروفة له في ذلك الوقت. ومن هؤلاء الباحث المميز في العهد القديم هارولد. جينزبرغ الذي تقدم في عام 1935 بفرضية مفادها أن المزمور 29 هو ترتيلة فينيقية وجدت طريقها إلى العهد القديم. وفي سياق دعمه لهذه الفرضية أشار الباحث إلى الأفكار الكنعانية في المزمور، لاسيما توكيده مراراً على صوت الرب، وما يوحي به هذا التوكيد من أن الترتيلة كانت موضوعة في الأصل لتمجيد إله العاصفة الكنعاني بعل. يضاف إلى ذلك وجود إشارات جغرافية في المزمور تدل على أصله السوري، مثل أرز لبنان وبرية قادش. كما أن بعض الخصائص النحوية في لغته توجهنا نحو الشمال السوري. وأخيراً فإن الترتيلة تُختتم بكلمات هي بقية من صيغة مستخدمة في النصوص الميثولوجية الأوغاريتية، عندما تقول: «الرب بالطوفان جلس، ويجلس ملكاً إلى الأبد».
وقد قام باحثون آخرون بتطوير نظرية جينزبرغ في السنوات التالية، ومنهم ثيودور هـ. جاستر الذي اقترح أن المزمور 29 هو مزمور كنعاني من حيث الأصل، جرى تعديله فيما بعد بحيث تم استبدال اسم بعل باسم إله العهد القديم. وهذه العملية تشبه، في رأيه، ما تقوم به بعض الجهات الدينية اليوم من تبني الأغاني الدنيوية بعد تحويلها إلى أغانٍ دينية من خلال المحافظة على اللحن واستبدال الكلمات. أما الباحث الآخر فرانك. م. كروس من جامعة هارفارد، فقد اعتبر أن البينات كاملة بخصوص انتماء المزمور 29 إلى الشعر الكنعاني، واعتبره نموذجاً كلاسيكياً لدراسة طبيعة ذلك الشعر. وهنالك وجهة نظر معتدلة للباحث الكندي بيتر. س. كريغ، الذي يقول بأنه ليس في حكم المؤكد أن هذا المزمور قد اقتُبس حرفياً من ترتيلة كنعانية، على الرغم من توافر الحجج اليوم على أن الشعر الكنعاني قد مارس نوعاً من التأثير على مؤلف المزمور. ولعل من الأسلم أن نفترض بأن هذا الشاعر قد تعرف على ترتيلة كنعانية أثرت به تأثيراً عميقاً، فعمد إلى تقليدها بعد إدخال تعديلات عليها، لكي تُعبر عن فهمه لإلهه باعتباره إلهاً للطبيعة مثلما هو إله للتاريخ. وهو يقصد إلى القول بأن التعابير المستخدمة في عبادة بعل، من امتلاكه لسلاح البرق والصاعقة، وتسييره للسحاب وإنزاله للمطر، لا تنطبق عليه لأنه ليس إلهاً حقيقياً، ومن الحري أن تُستخدم هذه التعابير في وصف الإله يهوه وحده.
وبعيداً عن هذه الاستعارات الأسلوبية والفكرية، فقد قدمت نصوص أوغاريت للباحثين في العهد القديم معونة جُلى في تفسير مئات الكلمات الغامضة في النص التوراتي الذي كُتب بالخط الآرامي المربع الذي ابتُكر خصيصاً لتدوين أسفار التوراة، وبلغة مقاطعة اليهودية خلال العصر الفارسي، وهي لهجة كنعانية فلسطينية اصطُلح على تسميتها بالعبرية. ونظراً لقرب هذه اللغة من اللغات السامية الغربية مثل الفينيقية والمؤابية والآرامية، واحتفاظها بالبُنى والتعابير القديمة جداً والمتصلة بهذه اللغات، فقد جاءت نصوص أوغاريت لتقدم فرصة للباحثين في العهد القديم للمقارنة بين اللغتين، وإلقاء الضوء على كثير من غوامض العهد القديم اللغوية والأسلوبية. وسوف نعرض في هذا الحيز الضيق لمثال واحد يُظهر الكيفية التي ألقت بها لغة أوغاريت ضوءاً على بعض الكلمات التي بقيت غامضة في النص التوراتي حتى حل رموز الكتابة الأوغاريتية.
في سفر القضاة 5 لدينا ترنيمة تنشدها القاضية دبورة بعد انتصارها على الكنعانيين تفتخر فيها بالنصر وتستنزل اللعنات على القبائل العبرانية التي لم تهب لنجدتها وتشارك في المعركة. وفي الفقرة 17 تشير إلى قبائل جلعاد و دان وأشير قائلة:
جلعاد في عبر الأردن سكن.
ودان لماذا استوطن عند السفن؟
وأشير أقام على ساحل البحر وفي فُرضه سكن؟
إن السطر الثاني من هذه الفقرة قد طرح إشكالية على باحثي العهد القديم على الرغم من أنه يؤدي معنى واضحاً ولا لُبس فيه. والمشكلة تكمن في أن قبيلة دان، كما نعرف عنها في بقية أسفار الكتاب، لم تسكن على شاطئ البحر ولم تمارس أي نشاط بحري على ما يشير إليه هذا السطر. فما الذي تعنيه دبورة إذن بقولها إن دان استوطن عند السفن؟ لقد خمن بعض الباحثين منذ وقت مبكر أن كلمة سُفن الواردة في السطر، وتكتب بالعبرية «أن ي وت» هي كلمة متشابهة في اللفظ ومختلفة في المعنى مع كلمة أخرى. وهذه حالة شائعة في اللغات السامية التي تكتب بحروف ساكنة. ولكن ما هي الكلمة الأخرى التي تتشابه في اللفظ مع كلمة «أن ي وت» في العهد القديم؟ لقد بقي هذا السؤال معلقاً حتى جاءت نصوص أوغاريت لتقترح حلاً. فقد وردت كلمة «أن» وشكلها الآخر «آني» في ثلاثة نصوص أوغاريتية، وهذا التكرار يجعلنا على ثقة من معناها، فالكلمة تعني يسترخي أو يستريح. ولكن الملفت للانتباه أن هذه الكلمة قد وردت في أحد النصوص بعد كلمة «ج ر» التي تعني يمكث أو يبقى. وهذه واقعة حيوية بالنسبة لموضوعنا هنا، لأن كلمة «ج ر» الأوغاريتية هذه هي المعادل الأوغاريتي للفعل العبري «ج و ر» الذي ورد قبل كلمة «أن ي وت» في السطر الثاني من المقطع إياه والذي ترجم بمعنى استوطن أو أقام، بينما وردت في النص الأوغاريتي قبل كلمة «أن ي» التي تعني استرخى أو استراح. وهذه البيّنة يمكن لها أن توجهنا إلى ترجمة مختلفة للفقرة 17 من أنشودة دبورة التي يمكن أن نترجمها الآن على الشكل التالي:
جلعاد في عبر الأردن سكن.
ودان لماذا بقي مستريحاً ومسترخياً؟
وأشير أقام على ساحل البحر وفي فُرضه سكن؟
إنه تعديل طفيف ولا شك، ولا يؤثر كثيراً على معنى العهد القديم. ولكن عندما تتضاعف أمثال هذه التعديلات بضع مئات من المرات، يستطيع المرء أن يتصور الأثر البعيد لمعرفتنا بالأوغاريتية على ترجمة العبرية القديمة.
المراجع:
1- أنيس فريحة: ملاحم وأساطير من أوغاريت، دار النهار، بيروت 1980.
2- من أجل نص ترتيلة أخناتون، راجع ترجمة Griffit وترجمة E.W. Budge. وترجمة J.H. Breasted، الواردة في كتاب:
- Savitri Devi, Son of the Sun, Amorc, San Joes, California, 1981.
3- Allan cooper and Michael Coogan, Canaanite Religion, in: M. Eliade, Encyclopedia of Religion, MacMillan, London, 1987.
4- Peter C. Craigie, Ugarit and the old Testament, Erdmans, Michigan, 1983.
5- W.F. Albright, Yahweh and he Gods of Canaan, Anchor Books, New York, 1969.
موقع ألف

 
 

xx عندما أوقع الشيطان بيهوه ! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
20/05/2008, 23:02:19
  فراس السواح
 عندما أوقع الشيطان بيهوه: قراءة في سفر أيوب
في تقديمنا للاهوت إبليس الملاك الساقط (راجع مقالاتنا السابقة)، قلنا إن شخصية الشيطان تكاد أن تكون غائبة عن التوراة العبرانية. فهو لا يظهر إلا مرات قليلة حيث يتخذ دور التابع ليهوه، المنفذ لأوامره في معظم الأحيان. ولعل السبب في بقاء الشيطان في دائرة الظل، هو كون الخير والشر وجهان متكاملان للإله التوراتي، فهو صانع الخير وصانع الشر في آنٍ معاً. وها هو النبي إشعيا يقدم لنا خلاصة تجربة شعب التوراة مع إلهه: "أنا الرب وليس آخر. مصور النور وخالق الظلمة، صانع السلام وخالق الشر. أنا صانع كل هذا." (إشعيا 76:45). ونقرأ في سفر يشوع بن سيراخ: "الخير والشر، الحياة والموت، الفقر والغنى من عند الرب" (14:11). ونقرأ في سفر التثنية: "أنا هو الرب وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وإني أشفي، وليس من يدي مخلّص. إني أرفع يديَّ إلى السماء وأقول: حي أنا إلى الأبد. إذا سللت سيفي البارق وأمسكتْ بالقضاء يدي، أرُدُّ نقمة على أعدائي وأجازي مبغضيَّ. أُسكر سهامي بدمٍ، ويأكل سيفي لحماً بدم القتلى والسبايا ومن رؤوس قوات العدو." (39-42).

وبذلك يجمع الإله اليهودي إلى نفسه مهام الإله ومهام الشيطان، ويلعب الدورين ببراعة، على الرغم من أن العناصر الشيطانية في شخصيته تطغى على العناصر الإلهية. فأي إله هذا الذي تسكر سهامه بالدم ويأكل سيفه اللحم مغمساً بدم القتلى والسبايا، ويأكل من رؤوس قوات العدو؟ وأي إله هذا الذي يصفه كاتب المزامير بالعملاق الذي تعتعه السُكر فراح يضرب ذات اليمين وذات الشمال: "ثم استيقظ الرب كنائم، ومثل الجبار الذي رانت عليه الخمر، فضرب أعداءه إلى الوراء، جعلهم عاراً أبدياً." (المزمور 65:78-66). وهل هو إله أم تنين ذلك الذي يخرج من أنفه دخان، ومن فمه نار: "ارتجت الأرض وارتعشت، أسس الجبال ارتعدت وارتجت لأنه غضِب. صعد دخان من أنفه، ونار من فمه أكلت. جمر اشتعل منه." (المزمور 7:18-8). وأي إله هذا الذي تحف به كلما خرج الأوبئة والحمى: "قدامه ذهب الوباء وعند رجليه خرجت الحمى. وقف وقاس الأرض، نظر فرجف الأمم، ودُكت الجبال الدهرية." (حبقوف 4:3-6).

ولكن على الرغم من ضآلة دوره، فإن الشيطان لم يكن غائباً تماماً. وهو يظهر كشريك ليهوه أحياناً أو كتابع له في أحيان أخرى يوكله بتنفيذ مهام معينة. ففي الأسفار الخمسة الأولى يدعى بالاسم عزازيل، ويبدو أشبه بالجن التي تسكن البوادي والقفار، وهو يقتسم قربان الخطيئة مع يهوه. نقرأ في سفر اللاويين: "ويأخذ هرون التيسين ويوقفهما أمام الرب لدى باب خيمة الاجتماع، ويلقي على التيسين قرعتين قرعة للرب وقرعة لعزازيل. ويُقرِّب هرون التيس الذي خرجت عليه القرعة للرب ويعمله ذبيحة خطيئة، وأما التيس الذي خرجت عليه القرعة لعزازيل فيوقف حياً أمام الرب ليكفّر عنه ليرسله إلى عزازيل إلى البرية" (5:16-10).

وبدءاً من سفر القضاة نجد المحرر التوراتي يستخدم الاسم "بَليعال" للدلالة على الشيطان، والذي يعني بالعبرية عديم الفائدة. نقرأ في سفر القضاة عن سبط بنيامين الذي كان رجاله لوطيين يصطادون الغرباء ويعتدون عليهم جنسياً: "وفيما هم يطيبون إذا برجال المدينة، رجال بني بليعال، أحاطوا بالبيت قارعين الباب، وكلموا الرجال صاحب البيت، الشيخ، قائلين: أَخرج الرجل الذي دخل بيتك فنعرفه (= نضاجعه)، فخرج إليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم: لا يا إخوتي لا تفعلوا شراً، بعدما دخل هذا الرجل بيتي لا تفعلوا هذه القباحة." (22:19-23). وقد ورد الاسم بليعال للدلالة على الشيطان أيضاً في بعض مواضع العهد الجديد: نقرأ في إحدى رسائل بولس الرسول: "وأية شِركة للنور مع الظلام، وأي اتفاق للمسيح مع بليعال." (2 كورنثة 14:6-15). كما استخدمت الأسفار التوراتية غير القانونية الاسم بليعال أحياناً في الإشارة إلى الشيطان، وكذلك نصوص البحر الميت (قمران).

وقد يشير المحرر التوراتي إلى الشيطان تحت أسماء مختلفة. فهو "المهلك" الذي يرسله يهوه في مهمات القتل والدمار. نراه في صحبته عندما مر على بيوت المصريين ليضربها في سفر الخروج، وذلك بعد أن أمر العبرانيين بوضع إشارة مميزة على بيوتهم مرسومة بالدم لكي يميزها عن بيوت المصريين: "فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتهم ليضرب." (الخروج 23:12).

ونقرأ في سفر إشعيا أن يهوه قد خلق المهلك لمهام الخراب والتدمير: "وأنا خلقت المهلك ليُخرِّب." (16:54). وبه يهدد النبي إرميا أهل يهوذا وإسرائيل: "قد صعد الأسد من غابته، وزحف مهلك الأمم، خرج من مكانه ليجعل أرضك خراباً. تخرب مدنك فلا ساكن." (7:4). والنبي ناحوم يعد الشعب بكف أذى المهلك: "هوذا على الجبال مبشر منادٍ بالسلام: عيدي أعيادك يايهوذا، أوفي نذورك. فإنه لايعود يَعبر فيك المهلك أيضاً." (15:1).

وهو "الروح الردي" الذي يرسله يهوه فيتلبس من يخطيء أمامه. وقد أرسل مثل هذا الروح فحل في جسد الملك شاؤل بعد خطيئته: "وذهب روح الرب من عند شاؤل وبَغته روح رديء من قبل الرب." (صموئيل الأول 14:16). "وكان في الغد أن الروح الرديء من قبل الرب اقتحم شاؤل وجن في وسط البيت." (صموئيل الأول 10:18). وكان يسوع فيما بعد يُخرج مثل هذه الأرواح الرديئة من أجسام المجانين فيشفون. وهم يدعون في العهد الجديد بالأرواح النجسة والأرواح الشريرة والشياطين.

وهو الوبأ والحمى اللذان يسيران أمام إله الغضب: "جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه. وكان له لمعان كالنور. قدامه ذهب الوبأ، وتحت رجليه خرجت الحمى... بغضب خطرتُ في الأرض، بسخط دست الأمم." (حبقوق 3:3-12). وعندما يُذكر باسمه " الشيطان"، وهو بالعبرية الساكنة "شطن" أي المقاوم المعاند، نجده واحداً من بطانة يهوه الخاصة والمقربة، مكلفاً بأداء مهام شريرة يوكله بها الرب. ولكنهما قد يتفقان أحياناً وقد يختلفان. ففي المزمور 109، نجد كاتب المزمور يدعو ربه لكي يقيم من عنده شيطاناً على خصمه يفسد عليه حياته: "فأقم عليه شريراً، وليقف شيطان عن يمينه. إذا حوكم فليخرج مذنباً، وصلاته فلتكن خطيئة" (6-9). وفي سفر زكريا نجد الرب ينتهر الشيطان لأنه واقف عن يمين الكاهن يهوشع ليقاومه: "وأراني الملاك الكاهن العظيم يهوشع قائماً قدام الرب، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه. فقال الرب للشيطان: لينتهرك الرب يا شيطان، لينتهرك الرب الذي اختار أورشليم." (1:3-2).

في سفر أيوب نجد أطول نص في كتاب التوارة، وأكثرها تفصيلاً، بخصوص شخصية الشيطان ومهامه. فهو ملاك أسود موكل من قبل يهوه بأمر الشر، ويجول في الأرض يستقي أخبارها ويرفع تقاريره إلى معلمه. ولكنه على الرغم من تبعيته الظاهرية فإنه قادر على خداع سيده، ودفعه لاتخاذ قرارات غير صائبة بناءً على معلومات كاذبة يقدمها إليه. وهذا ما حصل للعبد الصالح أيوب.

كان أيوب رجلاً كاملاً ومستقيماً، وصاحب ثروة واسعة، على حد وصف مطلع السفر: "وكان هذا الرجال كاملاً ومستقيماً، يتقي الله ويحيد عن الشر... وقد ولد له سبعة بنين وثلاث بنات، وكانت مواشيه سبعة آلاف رأس من الغنم، وثلاثة آلاف جمل، وخمسمئة فدان بقر، وخمسمئة أتان، وخدمه كثيرون جداً. فكان هذا الرجل أعظم بني المشرق." (1:1-3). وفي أحد الأيام جاء الملائكة ليمثلوا أمام الرب، وجاء الشيطان أيضاً معهم: "وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليمثلوا أمام الرب وجاء الشيطان أيضاً في وسطهم. فقال الرب للشيطان: من أين جئت؟ فأجاب الشيطان الرب وقال: من الجَوَلان في الأرض والتمشي فيها" (6:1-7). هنا يتذكر يهوه عبده الصالح أيوب ويأمل ألا يكون الشيطان عازماً على مسه بسوء: "فقال الرب للشيطان: هل جعلت قلبك على عبدي أيوب؟ لأنه ليس مثله في الأرض رجل صالح كامل ومستقيم، يتقي الله ويحيد عن الشر." (8:1). عند ذلك يبدأ الشيطان مكيدته لأيوب، فيوحي إلى يهوه بأن تقوى الرجل ليست تعبيراً عن كماله، وإنما هي نتاج موقف نفعي، لأن الرب قد أغدق عليه ووهبه ما لم يهب لغيره، فإذا مسَّه ضرٌ من ربه فسوف يكفر به: "فأجاب الشيطان: هل مجاناً يتقي أيوب الله؟ أليس إنك سيَّجتَ حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية، باركت أعمال يديه فانتشرت مواشيه في الأرض؟ ولكن أبسط يدك الآن ومُسّ كل ما له من كل ناحية فإنه يجدف عليك." (9:1-11). هنا يتضح بجلاء عدم اتصاف يهوه بواحدة من أهم صفات الله، ألا وهي المعرفة الكلية، لأن الشك يداخله في أمر أيوب ويرغب في معرفة خبيئة نفسه، فينقاد لأحابيل الشيطان ويعقد الطرفان بينهما رهاناً. تُرى هل سيكفر أيوب إذا زالت النعم التي أغدقها عليه إلهه؟ هنا يُسلم يهوه عبده الصالح أيوب إلى الشيطان ليفعل به ما يريد: "هوذا كل ما له في يدك. وإنما إليه لا تمد يدك (أي لا تقتله)" (12:1). وقد كان أحرى بيهوه أن يرجع إلى معرفته الإلهية الكلية، إذا كان لديه منها أدنى نصيب، ليعرف خبيئة نفس أيوب، بدلاً من توظيفه للشيطان والاتكال عليه.

وهكذا أُطلقت يد الشيطان في أيوب ليُنزل به ما شاء من المصائب. ففي يوم واحد سُرقت أبقاره وجماله، وقتل اللصوص عبيده جميعاً، وسقطت نار من السماء فأحرقت قطعان غنمه، ثم سقط البيت على أولاده فماتوا جميعاً: "فقام أيوب وجزَّ شعر رأسه وخرَّ على الأرض وسجد وقال: عرياناً خرجت من بطن أمي وعرياناً أعود إلى هناك. الرب أعطى والرب أخذ. فليكن اسم الرب مباركاً. في كل هذا لم يخطيء أيوب ولم ينسب لله جهالة." (12:1-22).

بعد ذلك يأتي الشيطان للمثول أمام الرب مرة أخرى، فيعاتبه الرب على دسيسته لأن أيوب لم يخطيء ولم يجدف على الرغم مما حل به من المصائب: "إلى الآن هو متمسك بكماله، وقد هيجتني عليه لأبتلعه بلا سبب." (1:2-2). فيقترح الشيطان أن يستمر الاختبار، وأن يطال الأذى هذه المرة أيوب في جسمه وصحته بعد أن طاله في أملاكه وعائلته. فينساق يهوه مرة أخرى لإغواء الشيطان الذي يباشر عمله فوراً: "فخرج الشيطان من حضرة الرب وضرب أيوب بقرح رديء من باطن قدمه إلى هامته. فأخذ شقفة ليحتك بها وهو جالس في وسط الرماد. فقالت له امرأته: أنت متمسك بعد بكمالك. بارك الله ومت. فقال لها: تتكلمين كلاماً كإحدى الجاهلات. أنقبل الخير من عند الله والشر لا نقبل؟ في كل هذا لم يخطيء أيوب بشفتيه." (4:2-13).

ولكن يهوه وقد أمتعته اللعبة الآن يزداد إمعاناً في تعذيب أيوب الذي تشتد عليه الأوجاع الجسدية والشقاءات الروحية، فيرفع عقيرته بالشكوى وطلب العدل من إله لا يعرف مثل هذا المصطلح: "أبحرٌ أم تنين أنا حتى جعلت علي حارساً. إن قلتُ فراشي يعزيني وينزع كربتي، تريعني بأحلام وترهبني برؤى... كُفَّ عني الآن لأن أيامي نفحة. ما هو الإنسان حتى تعتبره وحتى تضع عليه قلبك، وتتعهده كل صباح، وفي كل لحظة تمتحنه؟ حتى متى لا تلتفت عني ولا تريحني ريثما أبلع ريقي؟ هل أخطأت؟ ماذا أفعل لك يا رقيب الناس، لماذا جعلتني عاثوراً لنفسي حتى أكون على نفسي حِملاً؟" ولكن هذه الشكوى تذهب هباءً لأن يهوه هو الخصم والحكم ومن من أحد يحاسبه عن أعماله: "ذاك الذي يسحقني بالعاصفة ويُكثّر جروحي بلا سبب، لا يدعني آخذ نَفَسي ولكن يشبعني مرائر، إن كان من جهة القوة يقول هآنذا، وإن كان من جهة القضاء يقول من يحاكمني؟... أنا مستذنَب فلماذا أتعب عبثاً... لأنه ليس هو إنسان مثلي فأجاوبه فنأتي جميعاً إلى المحاكمة. ليس بيننا مُصالح يضع يده على كلينا." (29:9-33). "أفهمني لماذا تخاصمني؟... يداك كونتاني وصنعتاني كلي جميعاً، أفتبتلعني؟... كُف عني قبل أن أذهب ولا أعود، إلى أرض ظلمة وظل موت." (1:10-21).

ولكن إعلان البراءة من جانب أيوب، وثباته على توكيد حقه أمام إلهه، لا يزيد هذا إلا تعنتاً. وهاهو يخاطبه مستعرضاً قوته أمام هذا الإنسان الضعيف القاعد فوق كومة رماد بين أطلال بيته المهدم يحك قروحه بكسرة فخار: "فأجاب الربُ أيوبَ من العاصفة وقال: من هذا الذي يظلم القضاء بكلام بلا معرفة؟ اشدد حقويك الآن كرجل، فإني أسألك فتُعْلمني: أين كنتَ حين أسستُ الأرض؟ أَخبرْ إن كان عندك فهم، من وضع قياسها أو مَدَّ عليها مطماراً؟ على أي شيء قرَّ قواعدها، أو من وضع حجر زاويتها عندما ترنمتْ كواكب الصبح معاً وهتف جميع بني الله." (1:38-6). وبعد خطبة طويلة يتباهى فيها يهوه بكل ما صنعت يداه، يتقدم أيوب بإجابة مقتضبة تنم عن اليأس من الاحتكام لإله يعتبر نفسه فوق الواجبات الأخلاقية: "فأجاب أيوب الرب وقال: ها أنا حقير بماذا أجاوبك؟ وضعتُ يدي على فمي. مرة تكلمتُ فلا أجيب، ومرتين فلا أزيد." (2:40-4).

هذه الإجابة المختصرة تدعو يهوه إلى ثورة عارمة أقوى من الأولى. لأنه يرى في ثناياها اتهاماً مبطناً من قبل أيوب: "فأجاب الرب أيوب من العاصفة فقال: الآن اشدد حقويك كرجل، أسألك فتُعْلمني. لعلك تناقض حكمي، تستذنبني لكي تتبرر أنت!!" (6:40-8). ثم يعود إلى استعراض قوته مستعيداً مشاهد معروفة في مواضع أخرى من الأسفار التوارتية، تظهر صراعه الظافر مع الوحوش والتنانين البحرية مثل لواياتان وبهيموت ورهب: "هل لك ذراع كما لله، وبصوت مثل صوته تُرعد؟... أتصطاد لواياتان بشصٍ أم تضغط لسانه بحبل؟... من يفتح مصراعي فمه؟ دائرة أسنانه مرعبة... عطاسه يبعث نوراً وعيناه كهدب الصبح. من فمه تخرج مصابيح شرار، نار تتطاير منه... إلخ" (9:40 و 1:41-21).

بعد أن ينتهي يهوه من خطبته الطويلة الثانية هذه، يدرك أيوب أخيراً أن إلهه لا ينطلق في تصرفاته من أي قاعدة أخلاقية، بل من إحساسه بالتفوق والسلطة المطلقة، وأنه لا يطلب من عباده إلا اعترافاً تاماً بهذا التفوق، ولا فائدة ترجى من تذكيره بالعدل والإنصاف. من هنا يعمد أيوب إلى صياغة إجابته الأخيرة بطريقة تنسجم مع نظرة يهوه إلى نفسه، وبذلك يُفلح في كسب قضيته: "فأجاب أيوبُ الربَ فقال: قد علمتُ أنك تستطيع كل شيء ولا يعسُر عليك أمر... قد نطقتُ بما لم أفهم بعجائب فوقي لم أعرفها... بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني. لذلك أرفض وأندم في التراب والرماد." (1:42-5).

لا تحتوي كلمات أيوب الأخيرة على أي عرض لحقٍ أو احتكام لعدل أو تذكير بالقواعد الأخلاقية، بل إنها تبدي خضوعاً كاملاً وغير مشروط لجبروت إله كان أيوب يسمع به وبعجائبه، ولكنه رأى بعد ذلك عجائبه بأم عينه. ولهذا يهدأ غضب يهوه ويقرر الرأفة بأيوب، فيعيد إليه كل ما سُلب منه: "وزاد الرب على كل ما كان لأيوب ضعفاً. فجاء إليه كل إخوته وكل أخواته وكل معارفه وأكلوا خبزاً في بيته، ورثوا له وعزوه عن الشر الذي جلبه الرب عليه. وبارك الرب آخرة أيوب أكثر من أولاه... وعاش أيوب بعد ذلك مئة وأربعين سنة، ورأى بنيه وبني بنيه إلى أربعة أجيال." (1:42-17).

لقد تفوق أيوب أخلاقياً على إلهه. ولكن من يعيد إليه كرامته الإنسانية التي هُدرت على يد إله يدَّعي أنه أسس الأرض ورفع السماء، ولكنه لا يملك الحد الأدنى من المعرفة التي تمكنه من الإطلاع على فؤاد أيوب ليتأكد من صحة ادعاء الشيطان.
************
نقلا عن موقع النادي

 

xx قبر المسيح وزوجته وابنه !! - [الدين المسيحي والأديان الأخرى]
13/05/2007, 20:41:55
أنقل لكم هذا الخبر عن موقع اتحاد كتاب الإنترنت العرب ودون أي تعليق

آخر المحاولات الإسرائيلية المستميتة للتشكيك في الأديان و اختراق صفوف العقائد تمثلت في ذلك الكشف الملفق لعدد من صناع الأفلام حول ما دعوه بقبر المسيح في إسرائيل.
و قد نشرت مجلة ناشيونال جيوجرافيك في عددها الصادر في 27 فبراير 2007 موضوعا حول عثور مجموعة من صناع الأفلام على ما يرجح أنها قبور المسيح عيسى عليه السلام و زوجته و ابنه!!!
الأغرب من ذلك هو زعم مجموعة المكتشفين بإجراء تحليل دي إن آيه لعينة من الأنسجة الصغيرة التي عثر عليها بداخل القبر تؤكد أنها تنتمي للمسيح ( لا أعرف كيف تأكدوا على وجه التحديد حيث إن ذلك يستوجب مضاهاة العينة بعينات من أقارب و أحفاد المتوفى و هو ما يتنافى مع كون المسيح عليه السلام لم يتزوج و لم يعقب ذرية كما يتنافى مع حقيقة أن سلسلة نسبه و عائلته مفقودة و غير معلوم أفرادها)
و خطورة الكشف المزعوم تأتي من حقيقة أن مؤيدي الصهيونية العالمية مستمرون في الترويج باستماتة لعدد من الأفكار الخبيثة التي ترمي إلى إلصاق تهمة التزوير للميح عليه السلام - حاشا لله- حيث تزعم النظرية أنه لم يكن رسولا و أنه كان مجرد تابع من أتباع يوحنا المعمدان و أنه قام بالسطو على تعاليم يوحنا و نسبتها لنفسه و أنه تزوج من عاهرة محترفة أنجب منها بنتا و أن أحفاد هؤلاء البنت هم الأسر العريقة التي انحدر منها ملوك و أباطرة أوربا و أن من المنتظر أن يكون منهم مسيح آخر الزمان اليهودي الذي يأتي ليعيد مملكة اليهود الضائعة و يحارب و يفني بقية الأمم في حرب كاسحة!!!
و الأخطر أنهم يزعمون أن الجماعات السرية - خاصة اليهودية منها- هي التي رعت و حافظت على استمرار نسل المسيح من العاهرة من خلال إنشاء الماسونية و محفل صهيون و غيرهما من الجمعيات الظلامية .
و منذ فترة بدأ ضغط اليهود من خلال عدد من الأفلام السينمائية و الروايات و الكتب التي ترمي لتزييف بحوث الآثار و التاريخ و التي كان من أشهرها رواية شيفرة دافنشي أو دافينشي كود التي أثارت ضجة و منعت من التداول في عدد من البلاد العربية و منها مصر.
و للأسف فإن هناك عددا من الشباب و غير المثقفين الذين بدأوا يعتقدون في صحة هذه المفتريات تحت ضغط الميديا.
ملحوظة: نص الموضوع الإنجليزي و روابط المواقع تجدونها أسفل النص العربي
د. ياسر منجي
 
Jesus' Tomb Found in Israel, Filmmakers Claim
Blake de Pastino

xx نساء في جهنم كما رآهن النبي محمد !! - [الدين الاسلامي]
15/01/2009, 00:17:46

 بينما كنت أبحث عن جهنم غزة ، ظهر لي جهنم أخرى لم تكن ببالي ، ونظرا لطرافة الموضوع وسادية الله كما تخيلها محمد
أحببت أن أورده لكم!
*******
نســـــــاء جهنـــــــم

***بسم الله الرحمن الرحيم***

عن الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
دخلت أنا و فاطمة عى رسول الله صلى الله عليه سلم
فوجدته يبكي بكاء شديدا فقلت:
فداك أبي و أمي يا رسول الله ما الذي ابكاك
فقال صلى الله عليه و سلم يا علي:
ليلة اسري بي الى السماء رأيت نساء من أمتي في عذاب شديد
و اذكرت شأنهن لما رأيت من شدة عذابهن

رأيت امرأة معلقة بشعرها يغلي دماغ رأسها

و رأيت امرأة معلقة بلسانها و الحميم يصب في حلقها

و رأيت امرأة معلقة بثديها

و رأيت امرأة تأكل لحم جسدها و النار توقد من تحتها

و رأيت امرأة قد شد رجلاها الى يدها و قد سلط عليها الحيات والعقارب

و رأيت امرأة عمياء في تابوت من النار
يخرج دماغ رأسها من فخذيها
و بدنها يتقطع من الجذاع و البرص

و رأيت امرأة معلقة برجليها في النار

و رأيت امرأة تقطع لحم جسدها في مقدمها و موخرها بمقارض من نار

و رأيت امرأة تحرق وجهها و يدها و هي تأكل امعائها

و رأيت امرأة رأسها رأس خنزير و بدنها بدن حمار و عليها ألف ألف لون من بدنها

و رأيت امرأة على صورة الكلب
و النار تدخل من دبرها و تخرج من فمها
و الملائكة يضربون على رأسها و بدنها بمقاطع من النار

فقالت فاطمة:
حسبي و قرة عيني اخبرني ما كان عملهن و سيرهن
حتى و ضع الله عليه هذا العذاب فقال صلى الله عليه و سلم: يا بنيتي

اما المعلقة بشعرها فانها كانت لا تغطي شعرها من الرجال

اما المعلقة بلسانها كانت تؤذي زوجها

اما المعلقة بثديها فانها كانت تمتنع عن فراش زوجها

اما المعلقة برجلها فانها كانت تخرج من بيتها بغير اذن زوجها

اما التي تأكل لحم جسها فانها كانت تزين بدنها للناس

اما التي شد رجلاها الى يدها و سلط عليها الحيات و العقارب
فانها كانت قليلة الوضوء قذرة اللعاب
و كانت لا تغتسل من الجنابة و الحيض
و لا تنظف
و كانت تستهين بالصلاة

اما العمياء و الصماء و الخرساء
فانها كانت تلد من الزنا فتعلقه بأعنق زوجها

اما التي كانت تقرض لحمها بالمقارض فانها كانت قوادة

اما التي رأسها رأس خنزير و بدنها بدن حمار فانها كانت نمامه كذابه

اما التي على صورة الكلب و النار تدخل من دبرها و تخرج من فمها
فانها كانت معلية نواحه

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
**********
نقلا عن منتديات الحصن النفسي !
حصنوا أنفسكم !!( إيل )


[1] 2 3 4 5 6 ... 39

وحين التقينا يا إلهي بعد كل هذا العناء من البحث عنك وجدت نفسي أمام نفسي !!
***********
لا يمكن لكل لغات العالم أن تعبر عن شعوري يا إلهي ، حين أخبرتني   أن لا جهنم لديك !!
موقع شاهين على شبكة الإنترنت
http://mshahinart.com/
Arab Atheists Network admin@el7ad.com
المواضيع المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط والادارة غير مسؤولة عن محتواها
تأسس الموقع في 26/3/2006
تم إنشاء الصفحة في 0.473 ثانية مستخدما 13 استفسار.